| إذا كانت الأعمال الإرهابية التي ارتكبت في العراق وروسيا وغيرها من قبل مجموعات استظلت بالإسلام كعقيدة قد شوهت صورة الإسلام والمسلمين، والعرب تحديدا، فإن ذلك يتطلب معالجة للظاهرة ووضع حد لها من خلال مراجعة القيم والثقافة التي تحرض على ارتكاب هذه الأفعال الشنيعة، وأحيانا تبرر لها·· ليس المطلوب هو التباكي على الأخلاق التي يجب أن تحدد تصرفات الأفراد التي دفعت هؤلاء الأفراد لارتكاب أفعالهم بدعوى محاربة القوى المناوئة للعرب والمسلمين، فلن يكون من المفيد التحجج بأن هؤلاء أفرادا غرّر بهم أو اندفعوا من دون علم أو معرفة أو أنهم بالغوا في فهمهم لمعاني الجهاد، فإن كل هذه الدفوعات لن تجدي في ظل استمرار ثقافة الغلو ورفض الآخرين وعدم التسامح مع المعتقدات الإنسانية المعاصرة·· ولذلك ليس من المستغرب أن نجد من يناصر هذه الأفعال علانية أو على استحياء في الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية·· إن مواجهة المنظومة الثقافية التي تبرر لهذه المفاهيم، وتشرع لتلك الأعمال هي التحدي الحقيقي أمام العرب والمسلمين لكي يصبحوا طرفا مقبولا في المجتمع الإنساني·· إن ما جرى ويجري الآن من عنف وتطرف لفظي سيزيد من توجس الآخرين من العرب والمسلمين كافة، ويدفع إلى المزيد من التصرفات العنصرية ضد تواجدهم في المجتمعات الأخرى، خصوصا في البلدان الأوروبية··
لقد تعقدت المسائل مؤخرا، خصوصا بعد صدور فتاوى من قبل رجال دين مسلمين مثل الشيخ القرضاوي والتي دافعت عن عمليات الاختطاف والقتل في العراق ضد الأمريكيين وغيرهم مما فسر من قبل الكثير بأن التيار العريض من رجال الدين في الدول العربية يناهض الغرب ويؤازر المتطرفين·· أكثر من ذلك أن الطروحات التي يبرزها كتاب محسوبون على تيار الإسلام السياسي، وإن كانت تغلف برفض العنف أحيانا، تبرر في الكثير من الأحيان للأعمال الإرهابية ولا تبخس المسوغات لتلك الأعمال ويستطيع أي مراقب أن يتفحص مقالات هؤلاء الكتاب ويجد تلك التبريرات·· لهذا فإن المتطرفين الذين ينفذون الأعمال الإرهابية لم يأتوا من فراغ وهناك من دفعهم ثقافيا وعقائديا لارتكاب جرائمهم، وبذلك فهم لا يختلفون عن العناصر التي شهدها التاريخ المعاصر مثل قيام الفوضويين بأعمال إرهابية أو جنوح أطراف في اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف لمواجهة السلطات والقوى المعارضة لهم من خلال التخريب والاغتيالات·· ولم يتغير هؤلاء القوم إلا بعد أن تطورت مجتمعاتهم وتأكدوا من أنهم يمكن أن يزاولوا نشاطهم من خلال الالتحاق بالعملية السياسية وبأساليب العمل السلمي الديمقراطي·
ويمكن للمرء أن يرى المعالجة الأساسية من خلال الانفتاح الديمقراطي في مختلف البلدان العربية وتعزيز مناخ الحوار والمجادلة من دون قيود، بشرط أن تستظل جميع القوى السياسية بشرعية من الديمقراطية وقبول الرأي الآخر·· لكن هذا الحل لن يتحقق بطريقة سحرية فهو يستدعي أن تقبل جميع القوى المجتمعية أن تحترم التوجهات والأفكار المطروحة من دون تكفير، وبحيث لا يستخدم الدين وسيلة للتغلب على الآخرين في ميادين السياسة أو من خلال التحريض على القيم الثقافية الأخرى، وحرمان الكتاب والفنانين والمبدعين من إبراز أعمالهم وعرضها على الناس، كما هو جار في أكثر من بلد عربي·· أليس من المستغرب أن يحرم مثقفون وفنانون في بلد مثل "مصر" من عرض أعمالهم بحرية على الجمهور في مصر وغيرها من بلدان عربية نتيجة لرفض جبهة علماء الأزهر أو لقيام محامين نزقين برفع دعاوى الحسبة ضدهم؟··· ألا تحرض مثل هذه التصرفات المتطرفين لارتكاب أعمال عنف ضد هؤلاء المبدعين كما حدث للدكتور فرج فودة أو الأستاذ نجيب محفوظ وغيرهم؟··· ألا نتذكر ما حدث للإعلاميين والكتاب في الجزائر، والدعاوى التي رفعت ضد أحمد البغدادي وليلى العثمان وعالية شعيب ويحيى الربيعان في الكويت؟
هناك، إذا، معضلة ثقافية لا يمكن تجاوزها من أجل مواجهة التطرف والعنف إلا بعد إنجاز تحولات بنيوية في الثقافة السائدة في المجتمعات العربية·· ولكي يكون المرء منصفا، فإن التكفير من جانب الإسلاميين للأطراف الأخرى ليس هو النوع الوحيد من التكفير فهناك التكفير من قبل القوميين للعناصر التي تطالب بإحلال السلام في المنطقة أو تحرير البلدان العربية من الأنظمة الفاشية الحاكمة وغير ذلك من اجتهادات باتت معطلة للتطور الفكر السياسي·· لم يعد التهاون مع هولاء مجديا، ولن يكون هناك مبرر للمجاملة وأصبح همُّ القوى الواعية الدفع نحو التطور السياسي والمواجهة الثقافية المفيدة·· وغنى عن البيان أن هناك أهمية لوضع استراتيجية بعيدة الأمد بحيث تمكن من تطوير التعليم ومخرجاته، بما يتوافق مع مستلزمات العصر وقبول قيم الثقافة الإنسانية ونبذ التطرف الفكري·· وإذا أراد العرب أن يتحرروا من التخلف وقيم الكراهية فإن على الأنظمة السياسية ونخب المثقفين العمل من أجل خلق وعي جديد بأهمية الديمقراطية وثقافة التسامح من خلال أدوات التعليم والإعلام·
tameemi@taleea.com |