| عرف الإنسان الموسيقى منذ أن أصبح إنسانا وأحس بها عبر أصوات الطبيعة المحيطة به كأصوات وصفير الرياح وحفيف الشجر وأصوات تساقط الأمطار وتدفق المياه في الجداول·· ناهيك عن زقزقة العاصفير وتغاريد مختلف الطيور، وأصوات بعض الحيوانات المنغمة·
ومن خلال تأثره بكل هذه الأصوات ابتدع الإنسان معزوفته الموسيقية الأولى، فلجأ الى الصراخ للتعبير عن سعادته، ثم تعلم تنغيم الكلمات وهذا التنغيم قاده الى الغناء والتلحين، فجاء الغناء للتعبير عن أحاسيس الإنسان بالنشوة والسعادة، وكانت أغاني الحب هي الأولى·· ثم جاءت أغاني أحاسيس الألم ودنو الموت أو الرهبة والخوف من كوارث الطبيعة·
ومع تطور الحس الموسيقي الفطري الإنساني عرف الإنسان التصفيق "مكروه الآن استعماله لدى بعض الجمعات الدينية"، وطقطقة الأصابع أو الضرب على الأرض ثم الضرب على "الدرام" الذي يعد أقدم آلة موسيقية اخترعها الإنسان وإن كان لا يعرف بعد موطنها الأصلي، حيث وجدت ضمن آثار معظم الحضارات القديمة، ثم ابتدع الإنسان الآلات النفخية فكانت الصفارة والمزمار، ومن الأولى جاءت آلة الفلوت التي عرفها المصريون قبل 6000 عام ثم جاءت الآلات الوترية·· وهكذا تدريجيا شيئا فشيئا مع تطور أحاسيسه وتجربته الحضارية ارتقى الإنسان بالموسيقى والغناء الى شكلهما الإنساني الراقي المعاصر، ولا يغير من هذه الحقيقة الشكل الهابط المسف منهما·
لكن ما هو أهم من اكتشاف الإنسان للموسيقى الطبيعية والتي انطلق منها لاختراع موسيقاه الخاصة توصله بعدئذ الى استخدامها كعلاج لأمراضه ولاسيما الخطيرة منها، وهذا الاكتشاف ليس وليد اليوم كما يعتقد بل منذ الحضارات القديمة، فقد عرف العلاج بالموسيقى قدماء المصريين والعراقيين وذلك باعتبار الموسيقى جزءا من مهام آلهة الخير والحب·
وفي الحضارة العربية الإسلامية توصل الفيلسوف أبو يعقوب الكندي لأثر الموسيقى في تطبيب الأمراض النفسية والعقلية، أما العلامة المفكر والطبيب ابن سينا والمعروف بإبداعه الموسيقي فقد رتب العيدان وأساليب عزفها وكذلك نوع المقامات التي تعزف حسب حالة المريض·
وإذا ما قفزنا في تطور العلاج بالموسيقى الى عصرنا الراهن فحدث ولا حرج عن تطور وأشكال العلاج بالموسيقى لأمراض كثيرة مختلفة، ولاسيما في أمريكا وألمانيا واليابان، فاستخدمت أشكال من الموسيقى للتخفيف من آلام الأسنان ووضع نظام صوتي موسيقي لتخفيف آلام مرضى السكتة الدماغية، ولاسترجاع نطق المصابين بها، ولا يماري في البراهين العلمية القاطعة على نجاح العلاج بالموسيقى إلا من بلغ من الجهل والحماقة عتيا·
والموسيقى كما تقدم ذكره عرفت منذ نشأة الإنسان الأولى ومن ثم فإن الديانات السماوية ومن ضمنها الإسلام لم تهبط لتحريم هذه الموسيقى واقتلاعها، بل إن أغلب تلاوات القرآن الكريم تأثيرا في المستمع هي أكثرها قدرة على الترتيل الرخيم المنغم ومثلها مثل الآذان·
لكن من يصدق ونحن نمتلك كل هذا التراث الحضاري الموسيقي الزاخر والذي لم يكن يوما غريبا على حضارتنا العربية الإسلامية بتنا في زمن ظهر فيه من يحرم الموسيقى جملة وتفصيلا، في حين أجاز البعض الآخر الأناشيد الإسلامية الدينية فقط·· وبتنا في زمن برز فيه من يحاول جهرا أو علنا أن يصادرها في المستشفيات والمكتبات والمحلات التجارية لاستبدالها حصرا بالأناشيد الدينية أو الأدعية الدينية أو تلاوة القرآن فقط من دون سواها أو شن الحملات على من يعزف الموسيقى أو يغني كما هو حال نظام طهران كلما أفلس سياسيا·
يا جماعة الخير في هذا العالم المضطرب المتعاظم الأزمات المنكوبة بها أجيال اليوم خففوا قليلا من غلوائكم رحمة بأبنائكم، وتمعنوا جيدا في تراث أمتكم ستجدون الموسيقى والغناء ليسا غريبين عنها، بل إن هذا الأخير - الغناء - كما صدحت فيروز مترنمة: سر الوجود·
|