| يختلف اثنان على أن مقومات صناعة السياحة لم تعد تقتصر اليوم في عصرنا على ما يملكه أي بلد سياحي من اعتدال مناخ، وجمال طبيعة، وكنوز آثار عريقة، ورخص نسبي للأسعار، ومعاملة حضارية طيبة لشعبه مع السائحين·· بل إن ما يملكه البلد المعني من وسائل ترفيهية بات ركنا أساسيا من مقومات هذه الصناعة السياحية·
وغني عن القول إن البرامج الفنية ومثلها برامج التسلية كألعاب السيرك وغيرها من الألعاب الاستعراضية في الحدائق العامة هي من وسائل الخدمة السياحية الترفيهية·
وكما هو معروف فإنه يدخل في عداد هذه البرامج الفنية عروض دور السينما والمسارح والحفلات الغنائية، وتزداد الحاجة الماسة الى مثل هذه الأماكن وتطويرها في البلدان التي تفتقر بدرجة أو بأخرى الى طقس لطيف معتدل وطبيعة جميلة وبخاصة إذا ما كانت كنوز آثارها متوسطة الجاذبية رغم عراقتها لغياب تطوير هذه الكنوز من متاحف ومواقع أثرية وتراثية، وهذا ما ينطبق بالضبط على حال السياحة في بلادنا والتي تعد أفقر بلدان الخليج نفطا وأكثرها احتياجا لتطوير صناعة السياحة بالنظر الى أنها أكثر دول مجلس التعاون تقدما في الموارد البشرية تعليما وثقافة وكوادر فنية، وهي من أكثر هذه الدول ثراء في الكنوز الأثرية لكنها أضحت اليوم أكثرها فقرا في جمال الطبيعة بعدما لحق ببيئتها من كارثة على أيدي أساطين الطبقة العقارية·
فإذا ما أضفنا الى ما هو معروف عنها بأنها أكثر دول المنطقة رطوبة، الى جانب اشتراكها مع هذه الدول في صيف طويل حار، لأدركنا أهمية الاعتناء بالكنوز الأثرية من جانب، وتطوير الوسائل الترفيهية ومن ضمنها البرامج الفنية - كالحفلات الغنائية - من جانب آخر، يساعدها في ذلك ما يعرف عن شعبها من سلوك حضاري مضياف مع السياح، فضلا عما يعرف عن البحرين منذ القدم من تقاليد انفتاحية مرنة تتناغم مع روح العصر بحكم موقعها المتوسط كجزيرة في قلب الخليج وكونها محطة مهمة لقوافل التجارة العالمية البحرية منها والجوية·
ولولا هذه المزايا كلها لما تمكنت البحرين من التكيف اقتصاديا وأن تؤمن لها مصادر دخل تعوض شيئا من ضعف ثروتها النفطية وشحة تنوع مصادر دخلها الأخرى·
وحينما نتكلم عن أهمية البرامج الترفيهية الفنية كواحدة من المقومات السياحية، فإننا لا نعني هنا أهميتها للسياحة الخارجية الوافدة فقط، بل حتى للسياحة الداخلية للمواطنين·
وليس تحت يدي الآن على وجه التحديد حصر الفئات والشرائح العاملة والمهنية التي تستفيد من انتعاش السياحة لكن أحسبها غير قليلة وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر العاملين بالفنادق وسائقي سيارات التاكسي، الى المؤسسات والمحلات التجارية ومحلات الصرافة والعاملين فيها ودور السينما والمطاعم، وحتى الأسواق الشعبية البسيطة وما تعج به من "الفرشات" والباعة المتجولين والحمالين وحتى المتسولين·
كل هذه الاعتبارات والمزايا التي تحيط بمقومات السياحة في بلادنا تتطلب التوخي بأقصى درجات المسؤولية الوطنية العليا في حماية مصالحها ومصالح شعبها والتحلي ولو بأدنى درجة ممكنة من المرونة والاعتدال في تفهم لوازم الترفيه السياحي المعاصر بعيدا عن التزمت والغلو في الدين·· بيد أن ما يلوح في الأفق هو للأسف نذير شؤم بتعرض الصناعة السياحية الى خطر حقيقي ماحق يهدد اقتصاد البلد إذا ما سادت الأصوات ونجحت الاحتجاجات المنادية بإرجاعنا الى الخلف الى ما قبل 70 سنة باسم الدين والعفة والأخلاق·· ولعل ما جرى أخيرا إبان حفلة نانسي عجرم وراغب علامة هو آخر مظاهر وتجليات نذير الشؤم هذا الذي لا يهدد صناعتنا السياحية فحسب بل وحقوق الناس من خلال منطق فرض الوصاية والرأي الواحد على البلد وعلى الناس كل الناس· حينما نقول إن مفتعلي الضجة الاحتجاجية ضد حفل نانسي عجرم وراغب علامة يبتغون إرجاع عقارب ساعة البحرين الى الوراء نحو 70 عاما فنعني ما نقول، ذلك أن البحرين عرفت هذا النوع من الحفلات الغنائية سواء في دور السينما من خلال الأفلام العربية والأجنبية أم في الأندية والمسارح، أم حتى في الفنادق منذ مطالع أربعينيات القرن الماضي، بل إن بعض هذه الحفلات الغنائية بلغت في تغنج وتثني وتأوهات فناناتها - إن جاز القول - بما لا يقارن مع ما أدته المسكينة عجرم التي شاء حظها العاثر أن تكون كبش محرقة بسبب ما أثير حولها قبل قدومها البحرين من حملات إعلامية وبرلمانية في الصحافة العربية والبرلمان المصري وذلك من قبل المتشددين·
وقد وفق الزميل خليل الذوادي رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون حينما أسعفته ذاكرته الخمسينية - الستينية لاستعراض طائفة من هولاء المطربات والمطربين المصريين والعرب الذين حلوا ضيوفا على البلاد واحتضنتهم جماهير غفيرة دونما أن يقابلوا بما يسيء إليهم والى سمعة الضيافة البحرينية كضيوف على البلاد شعبا وحكومة·· فهل كان رموز ورجال الدين حينذاك أقل نخوة وغيرة على الإسلام والفضيلة والأخلاق من رموز ورجال دين زماننا؟ وهل تعرض إسلام البلد وعادات أهله وتقاليدهم للخطر أو الزوال؟
ثم هل دخلت عجرم خلسة أو تسللا الى البلاد أم بتصريح وترخيص من جهات رسمية في الدولة؟ فهل يريد هؤلاء أن يزايدوا على إسلام الدولة وهم الذين ما انفكوا يدافعون عن أمنها وسياساتها؟
لماذا لا ترتفع عقيرتهم ضد الدولة إلا في القضايا الهامشية كقضايا الغناء وإطالة اللحى وغيرها على حساب قضايا ومصالح الناس الآنية الأكثر إلحاحا؟ ثم إن الحفلات الغنائية في مجتمعاتنا العربية ليست وليدة اليوم بل وجدت منذ نشوء الدولة الإسلامية الأولى بدءا من العصر الأموي ومرورا بالعصر العباسي وليس انتهاء بالعصر العثماني، بل إن قصور خلفاء وسلاطين تلك الدول عرفت من الحفلات الغنائية الماجنة لمغنيات بما لا يقارن البتة مع ما أدته عجرم من غناء خفيف عادي أيا يكن مستواه الفني، ومع ذلك لم يتعرض الإسلام حينها للخطر ولم يمنع ذلك من أن يقود خلفاؤه أعظم الفتوحات لنشر الإسلام في أصقاع عريضة من المعمورة ويقدموا خدمات جليلة للإسلام أعظم مما قدمه متزمتو عصرنا، لا بل لم يمنع ذلك المتشددين الغلاة اليوم من الدفاع بحمية حتى عن خلفاء الدولة العثمانية التركية والتباكي على زوال دولتهم ورحيل هيمنتهم على المنطقة العربية التي استمرت زهاء خمسة قرون·
كما أن تراثنا العربي مازال ورغم ما تعرض له تاريخيا من إبادة حرق وغرق وضياع وتدمير يزخر بكنوز من قصائد الغناء الماجنة والراقية إبداعا على حد سواء ولم نسمع من رجال دين ذاك الزمان من تباكٍ على الإسلام والعفة والفضيلة أو جند أوسع الحملات المفتعلة لحرقها ومنعها اللهم إلا حالات نادرة ومحدودة·
وهل كانت ذروة الإشعاع العربي - الإسلامي التي مدت الظلام الأوروبي بشيء من أنوارها أن تتم لولا أن تلك العقول النيرة المبدعة عرفت قدرا من التوازن النفسي بتمتعها بشيء من مباهج الحياة جنبا الى جنب مع تمسكها بالدين بمرونة واعتدال؟ وهذا ما يفتقده المتشددون من قوى ورموز الإسلام السياسي المعاصر في رغبتهم في الانقطاع المطلق عن روح العصر والحداثة، هل قامت وزارة الإعلام أو متعهدو الحفل بإجبار الناس على الحضور للحفلة؟ وهل كان الناس إذا امتنعوا عن حضورها لن يستطيعوا حضور حفلات مثلها في البيت عبر مشاهدة الفضائيات أو زيارة البلدان العربية الأخرى التي تعرضها؟
من الواضح جيدا أن الذين أثاروا الضجة معظمهم أو كلهم لم يسمع مقدما أغاني المطربة المذكورة وإنما تأثروا بالحملات الإعلامية المسبقة عليها، وبطبيعة الحال فإن لا أحد يدعو الى الحفلات الغنائية الماجنة الخليعة، ومثلها سائر أشكال السياحة غير النظيفة، لا بل أن وزارة الإعلام منعت ذلك النوع من الرقص والغناء المصاحب لما يسمى بـ "النقوط"·· لكن أن تفرض مقاييس متشددة باسم العفة والفضيلة والإسلام لمحاربة كل ألوان الفن والغناء العاطفي أو الخفيف دون تبصر بعواقب ذلك على حقوق الناس في الترفيه وانعكاساته السلبية على السياحتين الداخلية والخارجية فهذا ما ينبغي على المنساقين الى مثل هذه الحملات توخي الحذر من مخاطره على اقتصاد البلد وأمنه وطابعه التعددي سياسيا وثقافيا ودينيا واجتماعيا ولاسيما في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها بلادنا·
ü كاتب بحريني |