| في حقبة الخمسينات من القرن المنصرم·· فعلا كانت الصورة المتداولة بين العرب والغرب ضبابية حيث كانت الثقافة بين الطرفين أشبه ما تكون بالثقافة العدائية بين مستعمِر ومستعمَر، وكانت تحتدم بين الطرفين الثورة العربية الكبرى، الهادفة إلى تحرير الأوطان العربية من قبضة الغرب المهيمن على مصالحه في الشرق الأوسط·
وأمام ذلك برز رموز النضال العربيين في كل الأقطار العربية تقريبا، وقد خلد الزمن أسماءهم على قائمة أبطال التحرير الوطني في المشرق والمغرب العربيين، وهم ليسوا ببعيدين عن أذهاننا في الراهن العربي اليوم، كصناع تحرير وسلام وليسوا صناع إرهاب يلصق على واجهات السلام·
لقد كانت صورة الإنسان العربي في الذهنية الغربية لا تخلو من الاحترام المتبادل بين الطرفين، على الرغم من استيلاء أحدهما على الآخر، إلا أن الاثنين ينطلقان من ماض حضاري، ربما هناك من يرجح حضارة على أخرى في ظل التسامح الحضاري والأخلاقي في حضارات العرب· بالمقابل مع روح التعالي في حضارات الغرب، ويبدو أن الصورة بعد ذلك انقلبت رأسا على عقب لدى الطرفين في وقتنا هذا حيث أصبح العنف يقابل بعنف مضاد له، شوه ماضي وتاريخ الاثنين·
نعم ثقافة ما يسمى بالسلف هي التي تسود الشارع العربي اليوم، والأخذ بما هو ليس بالسلف أساسا، فنحن لا نجهل الأبعاد الثقافية في خطاب أسلافنا الأجلاء الذين تحلوا بالحكمة والموعظة الحسنة المجردة من كل أحقاد إنسانية دنيئة وغير عقلانية·
فاليوم نحن بحاجة ماسة إلى العقلانية في فهم العصر ومعطياته وتطلعاته وتعقيداته تحت أي مظلة إنسانية، سواء كانت مظلة الإرادة الدولية الجديدة أو الوجدان العربي المستنير الذي يقوم على احترام الحضارات وحقوق الإنسان والديمقراطية بعيدا عن صور التطرف من أي طرف له مقعد على الطاولة الأممية بكل ما يدور عليها أو تحتها من دسائس ومصالح حيث إن هذه المرجعية الدولية تشكل لنا الحد الأدنى للتعايش السلمي، وهي قابلة لتحسين أدائها، لأن الأداء هنا هو المهم وليس الكينونة التي مضى على تأسيسها أكثر من نصف قرن، وبالتالي يأتي من يحارب العقلانية مطالبا بدراسة الجدوى في المؤسسة العالمية وجامعة الدول العربية·
إن أصحاب الصوت العربي الواحد الذين لا يرغبون بـ “التزحزح” عن الغوص في الماضي والالتزامية في كل ما يدور فيه من أفعال وأمثال تجاوزها الزمن بفعل وتقدم الآلة التكنولوجية التي قلما تخطئ في شن ونشر العولمة التي ينبغي أن نأخذ منها ما يناسبنا ونتجنب ما لا يلزم أجيالنا، وهذا الأخذ المقنن أفضل من الرفض السلبي برمته وأفضل من الارتماء الكلي في أحضان السلفية أو العلمانية على حد سواء·
إن العلاقة المطلوبة اليوم هي أن تسود بين الأطراف: المنادين بالتقيد الكلي في التراثية والتزمت والمنادين بالعولمة التي لا تعترف بالحدود المصطنعة، ينبغي أن تكون العلاقة بينهم مبنية على علم وثقافة المعرفة الإنسانية العقلانية الندية أو التي ينبغي أن تكون ندية وفقا لروح العصر والتكنولوجية·
إن العولمة لا يوجد من يستطيع التعامل معها بروح الرفض المطلق أو القبول الكلي، وكلما سادت روح التفاهم والتقارب الفكري بين أبناء الحضارات ومثقفي الغرب والعرب كان ذلك هو أقصر الطرق إلى التعايش السلمي القائم على التكافؤ واحترام الرأي الآخر مهما كان مصدره وجنسه· |