| إن الباحث أو الناشط في قضايا حقوق الإنسان كثيرا ما يصادف متناقضات كثيرة بين الفكر والممارسة اليومية "قولا بلا عمل" لدى الكثير من الحكومات·· وأحيانا الأفراد·
ففي أثناء قراءتي كتابا صدر في الكويت عام 1963 أي قبل نحو أربعين عاما، بعنوان "حقوق الإنسان" صادر عن وزارة الإرشاد والأنباء بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكتب مقدمته الشيخ مبارك العبدالله الأحمد، وزير الإرشاد والأنباء بالإنابة في ذاك الوقت، وهو النجل الأكبر للشيخ عبدالله الأحمد الذي اشتهر بهيبته لدى أهل الكويت آنذاك·
إن هذا الكتاب فيه من المتناقضات ما يشد الأذهان والأبصار معا وبقراءة أولية له سيلاحظ القارئ حجم الفارق الكبير بين مواقف السلطة التنفيذية في الماضي ومواقفها في الوقت الراهن·
لقد كتب الشيخ مبارك العبدالله الأحمد مقدمة الكتاب في ديسمبر 1963 حيث يواكب الكتاب الحدث العالمي للاحتفال بإعلان اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف العاشر من ديسمبر من كل عام، ومن يقرأ الكتاب سيجد كم هو كبير الفارق بين فحوى الكتاب وبين الراهن اليومي على الأرض، ومن أبرز هذه العلامات والفوارق هو امتناع حكومة الكويت حتى يومنا هذا عن إشهار وتأسيس الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان وإعطاء المرأة حق الانتخاب والترشيح، ويغنينا هذان المثلان عن ذكر أمثلة أخرى كثيرة متناقضة مع ما جاء في فحوى هذا الكتاب، وتعال عزيزي القارئ نقرأ معا ما جاء في مقدمة السيد الوزير في هذا الكتاب التاريخي دون تعليق حيث قال فيها:
تحتفل الكويت، حكومة وشعبا، مع الأسرة الدولية بالذكرى الخامسة عشرة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاحتفال في الكويت لا يقتصر على التحدث عن المناسبة والإشادة بها ودعوة الجيل الصاعد أبناء الشعب الى استيعاب الوثيقة الدولية، والتمعن في مبادئها، وإنما يعني ما هو أبعد من ذلك بكثير·
فنحن في الكويت نؤمن بأهمية الإنسان وقدسية حقوقه، ونعلم علم اليقين بأن أجل وأغلى ثروات الأمة هي الثروة البشرية·
وكان لنا من رسالة الإسلام السمحاء ومن تراثنا العربي الإنساني ما جعلنا في طليعة المؤمنين بحقوق الإنسان قولا وعملا، وجاء دستور دولتنا الفتية لينص على ذلك، ويؤكد واقع الكويت التقدمي الرائع وينبئ بأجلى بيان عن مدى إيماننا بإنسانية الإنسان وكرامته بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه أو وطنه·
وفي الوقت الذي نجد فيه هذه الأيام دولا تمارس التمييز العنصري، الذي يعتبر إهدارا للكرامة الإنسانية، ودولا أخرى تدعو على الصعيد النظري فقط للقضاء على التمييز العنصري، فإننا والحمد لله قد طبقنا مبادئ ميثاق حقوق الإنسان قبل أن تعلنها الأمم المتحدة، وذلك لأنها من صميم حياتنا وواقعنا، فنحن نعيشها طريقة حياة، فليس المهم أن تعظ الناس بالحرية والديمقراطية وكرامة البشرية، بل أن تمارس كل ذلك بنفسك ولا تحرم غيرك منه·
إن حكومة الكويت وعلى رأسها صاحب السمو الأمير المعظم، تهيب بقادة العالم ومفكريه ومصلحيه أن يطبقوا مبادئ ميثاق حقوق الإنسان ليعيش الناس في عالم تسوده المحبة والوئام، فلا يسترق الإنسان أخاه الإنسان "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟" وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه العزيز:
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"·
وإنه لمن دواعي سروري أن أقدم الى القرّاء هذا الكتاب الذي أعدته وزارة الإرشاد والأنباء احتفالا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان·
والله من وراء القصد·
yahya@taleea.com |