| أشارت الأنباء أن سلطة التحالف الموقتة في العراق قد استدعت "غيدار" أحد الوزراء الروس السابقين المتخصصين في أعمال الإصلاح الاقتصادي للاستفادة من تجربته في تطوير بنية الاقتصاد العراقي، كما أن هناك أحد الخبراء البولنديين تم استدعاؤه للمساعدة، وتمثل هذه الخطوات إدراكا من سلطات التحالف في العراق لضرورة الاستفادة من تجارب التحول من نظام الاقتصاد الشمولي "Command Economy" الى نظام اقتصاد السوق الحر والتي جرت في روسيا ودول أوروبا الشرقية حيث بذلت جهودا حثيثة للتخلص من التراث البيروقراطي وهيمنة الدولة على مختلف القطاعات الاقتصادية، ومما لا جدال حوله أن تلك التجارب واجهت الكثير من المصاعب والعراقيل وتمخض عنها بروز طبقات طفيلية أرادت أن تستأثر بالمتغيرات لصالحها والحلول في مواقع الدولة في ملكية الكثير من المنشآت والمؤسسات الاقتصادية الحيوية، وفي روسيا، بشكل خاص، ظهرت طبقة المنتفعين بما يشبه المافيا حيث تحالفت مع الأجهزة الحاكمة التي ورثت الحزب الشيوعي السابق وعملت من خلال أساليب الرشوة، وأحيانا استخدمت إرهاب الدولة، للوصول الى أهدافها، يضاف الى ذلك أن تدهورا مهما حدث للأوضاع المعيشية للسكان قبل أن تتحسن الأحوال خلال السنوات القليلة الماضية في ظل حكومة الرئيس بوتين·
لكن تجارب أخرى في التحول في بولندا أو المجر أو التشيك أثبتت جدارتها، بالرغم من أن الأحزاب التي جاءت من خلال الانتخابات الديمقراطية لم تكن بعيدة عن الأحزاب الشيوعية السابقة والتي غيرت من أيديولوجيتها وأصبحت أحزابا ديمقراطية حقيقية، وتعتبر هذه البلدان، الآن من الدول الواعدة حيث يشهد المراقبون تطورات مهمة في بنيتها المؤسسية وقوانينها وأنظمتها التعليمية والبنية التحتية فيها، كما أن درجة الشفافية السياسية فيها أصبحت عالية، وقامت هذه الدول بالتغيرات الضرورية من أجل أن تتأهل للقبول في الاتحاد الأوروبي، وبعد ذلك في اتحاد اليورو النقدي، بيد أن علينا نقر بأن التراث السياسي والثقافي في هذه الدول ظل أوروبيا بالرغم من حال الانفصال التي حدثت بفعل سيطرة الجيوش السوفيتية عليها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وإقامة أنظمة سياسية واقتصادية شمولية فيها، هذا التراث الأوروبي المتفتح مكنها من التجاوب مع متطلبات الإصلاح الاقتصادي والتصحيح البنيوي فيها·
هل يمكن أن نتوقع أن تستفيد الحكومة العراقية من هذه التجارب المهمة والتي جرت خلال العقد الماضي بعد زوال جدار برلين في عام 1989؟ هناك أمور تدعو للتفاؤل، حيث إن العراق يملك اقتصادا معقولا يعتمد على ثروة نفطية تتمثل بأكثر من 112 بليون من البراميل النفطية المؤكدة، وربما تؤدي المسوح المقبلة الى رفع هذا الاحتياطي الطبيعي، كما أن هناك بعض النشاط الخاص القائم، كما يملك العراق طبقة من التجار ورجال الأعمال الذين وسعوا من آفاقهم وحسنوا من قدراتهم نتيجة للإقامة الطويلة، نسبيا في بلدان رأسمالية متقدمة وبعض بلدان الخليج والأردن، كل هذه العناصر يمكن أن تمثل أسسا صحيحة لعملية التحول في النظام الاقتصادي وتعزز القدرات على إنجاز مشروع تنموي يعتمد على دور محوري للقطاع الخاص، أهم من ذلك أن تفسح القوانين الجديدة فرصا لأعمال في مختلف القطاعات الاقتصادية لرجال الأعمال العرب والأجانب للدخول في مشاريع أساسية لتطوير المنشآت الاقتصادية هناك·
هناك اقتصاديون يخشون من تأثيرات التراث العربي على العمل الاقتصادي في العراق، ويؤكدون بأن البيروقراطية في البلدان العربية معادية للإصلاح، وهي مهما وهنت سياسيا لاتزال تملك أنيابا للمقاومة، ومن أهم الأمثلة التي تورد في هذا السياق أن مصر ومنذ أن شرع الرئيس الراحل أنور السادات في الانفتاح الاقتصادي في عام 1974، أي منذ ثلاثين عاما تقريبا، لم تفلح في إنجاز تحول بنيوي في الاقتصاد المصري، قد يقول قائل: إن هناك إنجازات مهمة لا يمكن إنكارها مثل تخصيص المنشآت السياحية وغيرها من منشآت اقتصادية وقيام سوق أوراق مالية نشط، وصدور قوانين تنظم الاستثمار الوطني والأجنبي وتحفزه، لكن هناك تباطؤا في اتخاذ القرارات الأساسية، كما حدث في مسألة تعويم سعر صرف الجنيه المصري الذي لم يعتمد إلا في العام الماضي وبعد تأخير شديد، كذلك هناك تعطيل لعملية تخصيص البنوك الرئيسية والشركات الصناعية، يضاف الى ذلك أن برامج الإصلاح والتصحيح التي جرت مناقشتها مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا تزال متعثرة·
ربما تكون هناك أسباب خاصة عطلت عملية الإصلاح في مصر، وربما يعود بعضها لتعثر عملية الإصلاح السياسي لكن لا يجب أن تتوقف الأمور عند هذه التجربة، بل إنه حتى مصر يجب أن تعيد النظر في ما حدث وتستفيد من تجارب الآخرين من أجل الخروج من عنق الزجاجة، وقد يكون بلد مثل العراق محظوظا أن تأتي دولة كبرى مثل الولايات المتحدة، وهي دولة تهتم في إنجاز عملية التحول الاقتصادي في مختلف بلدان العالم، لتشرف على إنجاز الإصلاح وبرامج التنمية، كما أن هذا الوجود الأمريكي الموقت في العراق، والتحالف الاستراتيجي المتوقع على الأمد الطويل، سوف يدفع أموالا مهمة للاستثمار في القطاعات الأساسية، وبذلك ربما لن يكون من المستغرب أن نرى العراق وقد أصبح دولة ذات اقتصاد حر ويحوي مؤسسات فاعلة في مختلف القطاعات، ويتحول العراقيون الى عناصر منتجة ويملكون المبادرات الخلاقة لتنمية مواردهم·
tameemi@taleea.com |