| صادف مهرجان المسرح في الكويت خلال الأسبوعين المنصرمين حدوث فعاليات مهمة علي المسرح السياسي في البلاد·· ولا شك أن الوثيقة التي نشرتها الحركة الدستورية الإسلامية في بداية فعاليات اجتماعاتها وندواتها مثلت حدثاً مهماً في المجتمع السياسي الكويتي·· وعندما تطرح تلك الوثيقة تصورات فكرية تتسم بالحداثة، وتركز على اعتماد دستور 1962 أساساً للحكم وتؤكد على عدم استمرار مطالبتها بتعديل المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع، فإن هذه المنطلقات الفكرية تجعل من الحركة الدستورية الإسلامية تنظيماً سياسياً عصرياً يتوافق مع طروحات مؤسسي النظام السياسي الكويتي الذين وضعوا دستور البلاد بعد انتخابهم للمجلس التأسيسي منذ ما يقارب الأربعين عاماً· كذلك فإن الوثيقة طرحت أهمية توافر نظام حزبي مشروع مقنن وأكدت على ضرورة تداول السلطة واحترام التعددية السياسية·· كل تلك القيم السياسية لابد أن تنطلق من قيم ديمقراطية وعصرية، ولو أن الوثيقة أكدت على حق المرأة في الانتخاب والترشيح لكنا أمام وثيقة تقدمية تنم عن تطور فكر تنظيم ديمقراطي حقيقي·· ومهما يكن من أمر فإن ذلك القصور كان يمكن أن يعالج من خلال الحوار وتعزيز دور العناصر الأكثر تحرراً في الحركة الدستورية الإسلامية·
لكن ما خيب الآمال هو تلك الطروحات التي برزت في الندوات واللقاءات والتصريحات الصحافية لعدد من قياديي الحركة الدستورية الإسلامية·· فمثلاً جاءت بعض التصريحات لتؤكد على ضرورة تعديل المادة الثانية من الدستور، وهذا نكوص عن نصوص الوثيقة، كما أن الهجوم الذي شن على تنظيمات كويتية ليبرالية لم يكن له مبرر إذا كان الهدف هو توحيد القوى السياسية حول برنامج حد أدنى للاصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد·· ولا بد أن يشعر المرء بأن هناك أزمة داخل صفوف الحركة بين اتجاه معتدل يسعى للتغيير من خلال آليات الديمقراطية الحديثة، وتيار أصولي متمترس حول مفاهيم ومواقف محددة من قضايا العصر والحياة ومن القوى السياسية الأخرى، ودون ريب فإن تلك المواقف تتسم بالسلبية والرفض وعدم قبول الآخر·· وعندما يتفحص المرء أدبيات حركة الإخوان المسلمين في مصر وسورية والأردن، وهي الحركة التي تمثل المرجعية السياسية والعقائدية للحركة الدستورية الإسلامية، فإننا نجد بوناً شاسعاً بينها وبين أقرانهم في الكويت والخليج حيث تتسم منطلقاتهم الفكرية بالتطور بحيث أصبحوا أقرب للأحزاب الديمقراطية المسيحية في البلدان الأوروبية الغربية التي تربط بين أهمية دور الدين والانفتاح على العصر· وحركة الإخوان المسلمين في العديد من الدول العربية المشرقية تؤكد على حقوق المرأة والتعددية السياسية واعتماد التغيير السلمي الديمقراطي·
ويجب أن نقر بأن الحركات السياسية التي تعتمد على الفكر الديني في منطقة الخليج العربي مازالت متأثرة بالبيئة الاجتماعية المحافظة وقيم الصحراء التي تنفي المرأة وتعتمد الشمولية ورفض الآخر·· من الصحيح الزعم بأن المجتمع الكويتي هو في الأساس مجتمع مدني اعتمد على البحر والتجارة لأجيال عديدة، بيد أن التغيرات الديمغرافية في العقود الأربعة الأخيرة حولت هذا المجتمع أقرب إلى المجتمع الريفي، بصرف النظر عن الثروة ونزعة الاستهلاك والإعلام المرئي والمسموع·· هناك جيوب لاتزال تصر على إيقاف عملية التطور الاجتماعي، كما ان طبيعة العمل الاقتصادي حيث تهيمن الدولة على مختلف الأنشطة لا يعزز الابتكار والإبداع والدفع لحركة التنوير في البلاد· من جانب آخر فإن نظام التعليم التلقيني وهيمنة العناصر المحافظة على مؤسسات التعليم لأمد طويل لم يكن من تطوير النظام التعليمي بما يتوافق مع متطلبات بناء مجتمع عصري يملك أفراده القدرة على التفكير الحر، والتواصل مع الثقافة الإنسانية·
وإذا كانت الحركة الدستورية الإسلامية تعاني من معوقات إجتماعية وفكرية وسياسية فإن القوى الليبرالية أو التقدمية لاتزال تعاني من إرث ثقافي وسياسي آخر· تلك القوى تعاني من هيمنة الفكر القومي وقيم الاقتصاد الموجه وتراث الشمولية الفكرية· ولذلك فإن محاولات التحديث لهذه القوى تصطدم، أيضاً، بالعقليات التي تعتمد على الفكر القديم، والذي لا يمكن وصفه بالتقدمية لعدم قدرته على مواكبة ما يحدث في العالم· وتغلف هذه القوى معارضتها للتغيير بطروحات تعتمد على التخوين ودمغ أصحاب الفكر الآخر بالتبعية للغرب وغيرها من صفات لا تختلف عن طروحات العديد من المثقفين العرب الذين لم يتمكنوا من تحديث المنطلقات الفكرية ومناهج البحث الثقافي بعد الزلزال الكبير الذي حدث بعد البيروسترويكا في الاتحاد السوفياتي القديم وسقوط النظام السياسي هناك في أواخر الثمانينات من القرن العشرين·· أما زلزال الاحتلال العراقي للكويت فهو لا بد أنه قد أزال غشاوات عن عقول عدد من المفكرين القوميين، ولكن ليس إلى درجة كافية بحيث يدفع إلى وضع رؤية فكرية جديدة للقضايا العربية وكيفية معالجتها والتعامل مع الأطراف العالمية حول تلك القضايا·
إن ما هو مطلوب في الكويت لتغيير المشهد السياسي هو أن تتوافق القوى الحية، مهما اختلفت منطلقاتها الفكرية، لوضع أسس للعمل السياسي تتوافق مع قيم ومبادئ الدستور الكويتي وتحترم نصوصه بالكامل بما يحقق التطور الذي سعى له المؤسسون الأولون لدولة الاستقلال· ويعني ذلك الاهتمام بحقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة من خلال تعديل التشريعات بما يسمح للمرأة ممارسة حق الانتخاب وحق الترشيح للمجالس الاشتراعية والبلدية كافة· كذلك يجب أن تحترم أي من هذه القوى منطلقات الأطراف الأخرى، مادامت معتمدة على قيم الدستور والمفاهيم الديمقراطية، وعليها أن تعزز الحرية الفكرية الثقافية والسياسية·· وغني عن الجدال فإن السلطة الحاكمة لا بد أن تتعامل مع ظاهرة التنمية والتطور في البلاد·· إن على هذه القوى أن تراجع التاريخ السياسي للكويت وتستنبط منه دروس قيمة في مواجهة الأزمات وستجد أن هناك مساحة واسعة للتعاون والاختلاف الحر· |