| تظل قضايا الشرق الأوسط من الأمور المعقدة المستعصية الحل وغير المفهومة· وعندما نطرح قضية الصراع العربي الإسرائيلي وتعقيدات هذه القضية والمعضلة الراهنة والناتجة عن الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن الرهان على إمكانات السلام يصبح رجما في الغيب وقد يكون من المشكلات العصية في هذا العقد·· ماذا يمكن أن نتوقع لهذه القضية؟ وهل يمكن أن يتوصل الفلسطينيون والإسرائيليون الى اتفاق على القضايا الصعبة مثل مسألة السيادة على القدس، وعودة اللاجئين ومصير المستوطنات الإسرائيلية؟ مثل هذه التساؤلات تقود الى الحيرة حيث لا يعقل أن يتم حسم هذه المسائل بما يتوافق مع مصالح الفلسطينيين، كما أن الإسرائيليين لا يبدون أي مرونة تجاه المسائل المطروحة آنفا لأسباب عقائدية، وأيضا لعدم إحساسهم بأن رفضهم سيؤدي الى تكاليف سياسية باهظة عليهم·· لكن هل التذمر الفلسطيني الراهن وتصاعد أعمال العنف في الأراضي المحتلة سيؤديان الى تغيير في موقف الحكومة الإسرائيلية ويدفعها إلى التوصل لحلول منطقية ومقبولة من الفلسطينيين؟ هناك من يرى أن ما يحدث الآن من عنف وطغيان مضاد لن يمكن من التوصل إلى الحلول المقبولة، ويبدو أن الأرواح التي أهدرت برصاص وأسلحة الدمار الإسرائيلية قد وظفت لحسابات سياسية لا تمت بصلة لمصالح الشعب الفلسطيني، كما يقول بعض المراقبين·
هناك، بطبيعة الحال، عدد من الباحثين والمفكرين العرب والذين يرون بأن حلول القضية مستعصية بسبب الموقف الأمريكي المتحيز للإسرائيليين، وهو موقف، كما يقول هؤلاء، لا يؤدي الى ضغوط على الحكومة الإسرائيلية بما يدفعها لتقديم تنازلات واقعية ومقبولة، قد يكون هذا التقييم صحيحا، ولكن من يعرف الأوضاع السياسية الأمريكية لا يتوقع الكثير من النتائج، حيث تظل الإدارة الأمريكية، في ظل أي من الحزبين الرئيسيين، ملتزمة بأمن إسرائيل وتتفهم الموقف الإسرائيلي بشكل أفضل من المواقف الفلسطينينة والعربية لأسباب انتخابية محلية أو لأسباب ذات صلة بالاستراتيجية· لكن علينا أن نقر بأن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكن أن تتوسط بين الفلسطينيين، والعرب عموما، والإسرائىليين، وتمارس بعض الضغوط هنا أو هناك، ولذلك لا يمكن أن نتصور بأن الأوروبيين أو الروس قادرون على تحقيق أي تفاهم بين أطراف الصراع بشكل أفضل من الأمريكيين·· قد يستطيع هؤلاء أن يعملوا من أجل أن تجد الأطراف صيغاً مناسبة للحلول، ويمكن لهم أن يبلغوا الولايات المتحدة تصورهم وكيف يجب أن يتم حسم القضايا، ولكن هناك حدودا لنفوذهم في مثل هذه المفاوضات المستعصية·
وإذا أخذنا كل الاعتبارات في الاعتبار فإن إمكانات التوصل للحلول تظل قابلة للتحقيق من خلال مفاوضات مضنية، وقد تستغرق وقتا طويلا·· لكن هل هناك بدائل أخرى؟ هل نستطيع أن نزعم بأن الصراع العنيف والتصادم الجاري الآن قد يقودا الى تسوية، أو أن هناك إمكانات لفرض واقع جديد على الإسرائيليين بسبب هذا التصادم وهذا العنف؟ قد لا أكون متفائلا كثيرا بنتائج ما يجري على الساحة الفلسطينية، كما أن الأمر قد يدفع لتطرف واستقطاب ويعجل بوصول أطراف يمينية للسلطة في إسرائيل من خلال الانتخابات المحتملة أو من خلال إجراء تعديل وزاري وإقامة حكومة "وحدة وطنية" وربما تكون المفاوضات المضنية والإصرار على إنجاحها هي البديل الأفضل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة خصوصا وإن المكاسب على الأرض، التي تحققت حتى الآن، تمثل أساسا جيدا لاستمرار العملية السلمية·
وإذا انتقلنا الى الأوضاع في العراق وتأثير ذلك خليجيا وعربيا، فإن الواقع يدفع المرء للإحباط والقنوط ويدفع لرسم صورة سوداوية لحياة العراقيين·· هذا الواقع لا يمكن أن يكون إلا نتيجة لإدارة سياسية فاشلة دفعت البلاد والشعب لأتون حربين ضاريتين على مدى زمني لا يتجاوز العقد من السنين·· يضاف الى ذلك أن التكاليف الباهظة للحربين والتعويضات المتوقعة من الأطراف المتضررة تجعل العراق في وضع لا يحسد عليه·· أما الحديث عن الحصار الاقتصادي وتكاليفه الإنسانية فهو حديث حق يراد به باطل، فكما هو معلوم أن برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء يوفر أموالا كبيرة لمواجهة الالتزامات الإنسانية·· أما مسألة رفع الحصار الاقتصادي فهي تعتمد على موافقة العراق على تنفيذ شروط القرارات التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي سواء كانت تتعلق بأسلحة الدمار الشامل، أو إعادة الممتلكات الكويتية، أو تحرير الأسرى أو التحقيق في أوضاعهم وتبيانه للأطراف المتخصصة مثل الصليب الأحمر أو المؤسسات الأممية أو اللجان المنبثقة عن الأمم المتحدة لهذا الشأن·
لا شك أن هناك عددا كبيرا من المثقفين العرب وغيرهم ممن يلومون الولايات المتحدة على ما يجري في العراق، ولكنهم لا يملكون الجرأة للوم النظام العراقي المسؤول الأساسي عن الكوارث الإنسانية والطبيعية والبيئية التي يتحملها العراق وشعبه·· كما أنهم يغضون النظر عن ما حدث للإيرانيين والكويتيين نتيجة للحروب العدوانية التي شنها النظام العراقي عليهم· وذلك من السهل على الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة أو غيرها من دول أخرى لكن هل نحن كعرب حاولنا أن نجتهد لدعم العراقيين للوصول الى أوضاع إنسانية مقبولة في ظل حكم قادر على استيعاب ما يجري في العالم ويستطيع، أيضا، أن يتواصل مع كل البلدان دون خلق مشاكل؟ إن ما نحتاج إليه اليوم ونحن نعيش دوامة أحداث دامية ومؤلمة، ونرى أوضاع عربية مؤسفة في بلدان عربية كثيرة، أهمها الأوضاع العراقية، ما نحتاج إليه هو الجرأة في تشخيص هذه الأوضاع دون مجاملة ونفاق، وعلينا، أيضا، أن نوصف العلاجات الحقيقية المناسبة، وربما يتطلب الوصول الى هذه الجرأة أن نمر بأعاصير فكرية وثقافية! |