رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 26 أبريل 2006
العدد 1725

شعوبية جديدة
د. لطيفة النجار
Latifa64@emirates.net.ae

لفت انتباهي وأنا أقلب صفحات إحدى الصحف المحلية عنوان هذا نصه: "لم لا نكتب بالعامية؟ عبّر فيه صاحبه عن اندهاشه لعدم وجود مساحات في الصحف المحلية مخصصة للكتابة باللهجة الإماراتية أسوة ببعض الصحف الكويتية والمصرية!!! ويسوق الكاتب في مقاله عددا من الحجج التي يراها من القوة بحيث  تجعل اقتراحه مقبولا معقولا!!!

وإن المرء ليعتصر الألم فؤاده وهو يتابع ما كتبه الأخ الكريم، فمع كل كلمة تمر عليها العين صورة تتشكل في الذهن لكثير من المواقف التي سجلتها الذاكرة بحزن وخبأتها وهي تأسف على حال العرب وهم يتسابقون سباقهم المحموم لامتلاك ناصية الإنجليزية، ويتنافسون في حلبتها، ويتفاخرون برطانتهم وعجمتهم، وينظرون بعين الزهو والرضا إلى فلذات أكبادهم وهم يقتفون خطاهم في الرطانة وعجمة اللسان التي، شئنا أم أبينا، تمتد إلى عجمة العقل والروح والفؤاد·

تفجرت في الوعي المثقل بهموم هذه الأمة مشاعر يحاول المرء جاهدا أن يدفنها في الأعماق البعيدة الغائرة حيث النسيان والصمت المطبق، حتى يتمكن من العيش ومزاولة أعماله اليومية ومتابعة حياته نصف حيّ، فماذا بعد كل ما تطالعنا به الأيام يوما تلو يوم إلا نصف حياة أو بقايا حياة نقنع بها أنفسنا أننا ما زلنا نتنفس مع الهواء العزة والقوة والوحدة المكينة وأنّ الأحلام التي رُبيننا عليها والآمال التي لوّنت آفاق تطلعاتنا والمشاعر التي تهزّ وجداننا ما زالت كما عهدناها غضة جميلة متوهجة·

وإنّّ المرء ليتساءل اليوم، وذهول يغشي مقلتيه: أما زال صوت سمعناه ونحن صغار "بلاد العرب أوطاني" يحرك السواكن في النفوس ويشعل الهمم ويجعل شباب اليوم- كما كان شباب الأمس-  على امتداد الوطن العربي عربيا واحدا، قلبا واحدا، لسانا واحدا، وحلما واحدا يأبى أن يستسلم ليقظة الواقع المرير؟ هل آن لنا - نحن الذين نتغنى بالعربية لغة كتاب الله ولغة أهل الجنة ولغة القلب والعقل والشعور- أن ننسحب ونصمت؟ لأننا - حقا- تقتلنا الوحدة والغربة، ويرى كل واحد منا نفسه "غريب الوجه واليد واللسان"· هل أصبح التمسك بالثوابت الخالدة من دين ولغة وتاريخ وحضارة مؤذن بالإقصاء والإبعاد والتحقير؟ وهل صارت المهارة في التعامل مع الواقع رهينة بالمرونة التي تصل إلى حد تمييع الأشياء وإسباغ الشرعية على غير الشرعي وإلباس ما تهوى النفس - وإن كان مما يضر ويؤذي- لباس المنطقي والضروري الذي ولدته الحاجة والواقع الجديد؟

لا أود حقيقة أن أفند ما قاله الأخ الكريم بشأن العامية والفصحى تفنيدا يتكئ على الحقائق العلمية اللغوية التي لا يحتملها مقال في صحيفة، ولكني أورد هنا تساؤله الذي يقول فيه "ما المانع لو قرأ الناس بلغتهم المحكية التي يضحكون بها ويحبون ويتغزلون ويحلمون ويبكون ويئنون ويعتبون؟ لغة مفردات أشيائهم وأسماء أفعالهم وأمثالهم وقصصهم؟ أليست أقرب إلى الفصحى التي لا يستعملونها إلا في أضيق الحدود؟" وإنني لأسأل: ومن قال إن الفصحى ليست لغتنا؟ وليست البحر المثقل بهمومنا وأحلامنا وحبنا وضحكنا وبكائنا وسنوات ممتدة من التاريخ المفعم بالحب والفرح المكتنز بالحكمة والمعرفة؟ من قال إن الفصحى تنأى عن أن تكون ملاذنا ولغة مفرداتنا ومعجم حياتنا اليومية بأدق تفاصيلها؟ وبأي لغة كتبت أنت فحركت في الفؤاد لواعج الألم والانفعال والغضب؟ وهذه اللغة التي تملأ أوراق الصحف اليومية والكتب والمجلات ألا يقرؤها القارئون فتحرك في نفوسهم مشاعر شتى فتجعلهم يغضبون ويضحكون ويألمون وأحيانا يبكون؟ من قال إن العربية عاجزة عن أن تحرك مكنونات النفوس، وأن تهز القلوب وتذكي المشاعر والأحاسيس؟

إن الذي يفكر في الخضوع لمنطق اللهجات المتباينة المشتتة لا يفكر في مستقبل عربي موحد، ويتجه نحو الشتات الذي لا رادّ لسطوته في إضعاف الأمة وتمزيقها وبتر أوصالها وقطعها عن ثوابتها التي تستمد منها القوة والمنعة والصمود في وجه الهجوم الشرس من أعدائها الذين عادوا مع دورة الأيام الجديدة أشد دهاء ولؤما وشراسة وأطماعا وتحقيرا لنا وإذلالا·

ولعل بعض الذين يتوجهون إلى الدعوة إلى الكتابة بالعامية لا يدركون أن الكتابة بالعامية يعني ضرورة تقنينها، وأن تقنينها يعني سيطرتها، ولا أريد أن أسترسل فأوضح ما الذي يعنيه ذلك فالأمر بيّن شديد الوضوح لكل من تفكّر وتدبّر· ويكفي هنا أن أسوق شيئا مما قاله الأخ الكريم للتدليل على أنّ الأمر لا يقتصر على أن نكتب بالعامية أو لا نكتب، إنه يمتد عميقا في النفوس وفي المواقف التي يتخذها المرء من الأشياء والوقائع؛ إذ يقول " أما الاحتجاج بالمحافظة على اللغة العربية فمردود بأنّ اللغة، مطلق لغة، ما وجدت إلا لخدمة الناس، وفي اليوم الذي تصبح فيه اللغة عبئا وتحتاج إلى من يخدمها فليس من العقوق إيداعها دار المسنين" وعلى الرغم من أنّه أخرج العربية من هذا الحكم مستندا إلى أنّ الله قد تكفل بحفظها فإن ذلك لا يخفي ما تعكسه كلماته من موقف تجاه العربية· وأخيرا فليعلم صاحبنا أن الأمم المتحضرة التي تقود العالم اليوم ما فتئت تخدم لغاتها بكل الأشكال وعلى جميع المستويات، وهي بذلك تسترخص كل غال وثمين فتخصص المبالغ الطائلة لتثبيت لغتها في أفئدة أبنائها وأبناء الآخرين في كل بقاع المعمورة يقينا منها أنّ تسرب اللغة إلى اللسان يعني تسرب محبتها والإلف بها والاعتياد عليها وعلى ما تتحمله من موروث وثقافة وسلوك· وهذا ضمان لها بالدخول إلى الأرض من خلال القلوب والعقول· وهذا دخول عصيّ عنيد يكفل لها البقاء والصمود سنوات طويلة تستثمر فيها البلاد والعباد من حيث لا يشعرون· وأختم الحديث ما قاله الثعالبي عالم العربية وفقيهها " من أحب الله أحب رسوله المصطفى (، من أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عُني بها وثابر عليها وصرف همته إليها"· ترى هل بقي في الفؤاد بقية حب لها؟ إن كان نعم فلابد من المثابرة عليها، وإن كان لا ··· فلا تعليق· 

* جامعة الإمارات

�����
   
�������   ������ �����
القراءة للأطفال ..خطوة نحو تثقيفهم
حين يميل الميزان
منذورون للموت
الترجمة.. سلاح القوة المفقود
نشد على يديْ هذا الرجل
إشكالية الثقافة
لبنات المجتمع الكبير
اللغة العربية في جامعاتنا العربية
الانتزاع من الوطن
مفهوم التحضر.. تساؤلات ومواقف
كوب لبن أم كوب ماء؟
فراشة مبتسمة تطير من شدة الفرح
هوية في مهب الريح
عن الرياضة والثقافة
العمى والبصيرة
مَنْ لأبنائنا؟
ثوابت ومتغيّرات
الطب.. وأخلاقيات المهنة
تحولات المكان
  Next Page

الفهد وليس شرار :
عبداللطيف الدعيج
بنات الرياض ودعاء "الحش" "1":
سليمان صالح الفهد
نظرية في الدوائر!!:
سعاد المعجل
التمثيل النسبي:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
العلم والخرافة السياسية!!:
د. محمد عبدالله المطوع
خمسة وبس:
المحامي نايف بدر العتيبي
تصريح مليء "بالمغالطات":
المحامي بسام عبدالرحمن العسعوسي
لابد من العلمنة وإن طال السفر:
د. محمد حسين اليوسفي
منع الإدانة "إرهاب":
عبدالله عيسى الموسوي
"أشياء تنرفز":
على محمود خاجه
الغزو من الداخل:
د. فاطمة البريكي
شعوبية جديدة:
د. لطيفة النجار
بالضبط سيادة النائب ما مشكلتك؟؟:
د.ابتهال عبدالعزيز أحمد
التربية الأسرية والعنف:
د· منى البحر