| لعل حزب "التجمع التقدمي الوحدوي" المصري هو واحد من الأحزاب اليسارية العربية التي ما زالت تعاني من انحسار في قواعدها وجماهيريتها بفضل تضافر عوامل غياب التجديد والمراجعة الفكرية لبرامجها وسياساتها جنبا الى جنب مع غياب تجديد قياداتها السياسية المتقادمة اللهم إلا في حدود نسبة ضئيلة لا ترقى الى الحد الأدنى المقبول·
"التجمع" نشأ تاريخيا كما هو معروف عام 1976 وفق صيغة أراد منها الرئيس الراحل أنور السادات مجرد منبر سياسي إعلامي لا تنظيمي حزبي يعبر عن كل قوى اليسار والهدف من هذه الصيغة الهلامية منع تحوله الى منظمة حزبية جماهيرية فاعلة من جهة، وللالتفاف على مطالبة قوتين أساسيتين من قواه بحق كل منهما في التنظيم الحزبي ألا وهما "الشيوعيون" و"الناصريون" من جهة أخرى·
لكن هاتين القوتين استطاعتا أن تحولا هذا الالتفاف الى مصدر قوة لهما على طريقة "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" فتمكنتا مع القوى اليسارية والقومية الأخرى من أن تحولا هذه "الصيغة" الى صيغة جبهوية منصهرة فاعلة، وفي ذات الوقت إضفاء الطابع التنظيمي الحزبي الفاعل عليها·
ثم استطاع قطاع من الناصريين خارج الحزب بعد سنوات طويلة في عهد الرئيس الحالي مبارك تكوين حزبهم الخاص بينما لا يزال الشيوعيون والجماعات اليسارية الأخرى ممنوعين من هذا الحق·
وحظي "التجمع" طوال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي والى حد ما الى مطلع الثمانينيات منه بشعبية لا بأس بها في أوساط التجمعات العمالية والطلابية وفئات من المثقفين والطبقة الوسطى، كما تمكن الحزب من إيصال عدد من أعضائه الى البرلمان في بعض الدورات ومن ضمنها الدورة الحالية·
لكن الحزب سرعان ما أخذ نفوذه يضمحل في أوساط المجتمع بالتزامن تماما مع صعود التيار الإسلامي هذا حتى بالرغم من تمتعه بمساحة من الحرية وغياب المضايقات البوليسية، وفي عهد مبارك قام "التجمع" المصري بطبيعة الحال بسلسلة من المراجعات والتصحيحات لبرامجه وسياساته عبر مؤتمراته السابقة وصولا الى المؤتمر الخامس الذي عقد أخيرا لكن هذه المراجعات التصحيحية ما زالت دون المستوى المؤثر في انتشال "التجمع" من أزمته التاريخية التي تشاركه فيها كل قوى اليسار المصري والعربي الأخرى·
وثمة عامل موضوعي ذاتي هو مصدر إثراء لقوة الحزب لكن قد يكون مصدرا من مصادر ضعفه في حالة أي خلل في ضبط توازن التناقضات بين أجنحته وتكتلاته وهو يتمثل في طبيعة تركيبة التجمع من حيث هو حزب يضم في صفوفه قوى سياسية واجتماعية متنوعة فهناك قوى ماركسية من منابت مختلفة تشمل الشيوعيين وبعض الجماعات اليسارية ورموزا ماركسية مستقلة، وهناك رموز قوى ناصرية وقومية، وهنالك رموز وشخصيات دينية مستنيرة، وبالتالي ثمة مستويات عدة لهذه التناقضات على المستوى الداخلي لكل جماعة أو كل تيار وعلى المستوى الخارجي بين كل تيار وآخر·
وإذ تمكن "التجمع" في الغالب من إدارة هذه التناقضات فإن الحاجة في ظروف الانحسار والأزمة تشتد لتلافي تفاقمها وهنا تبرز الحاجة الملحة الى قيادة جديدة ائتلافية ذات عقلية حيوية وفكر جديد قادرة على التواؤم مع المستجدات والمتغيرات المصرية والعالمية وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي·
ولا يبدو للأسف من نتائج المؤتمر الخامس والأخير أن ثمة تغييرا ملحوظا على صعيد المراجعة السياسية الفكرية ولا على صعيد تجديد القيادة إذ حل رجل الحزب القوي رفعت السعيد (71 عاما) في رئاسة الحزب محل الأب الروحي للحزب ورمزه الأول خالد محيي الدين (80 عاما) وهو أحد القادة التاريخيين لثورة يوليو 1952·
وبالرغم مما يتمتع به السعيد من صحة جيدة وطاقة لا بأس بها رغم تقدمه في السن، فإنه بالنظر الى نهجه المتشدد مع "الإسلاميين" وبدرجة أقل الناصريين، ونظرا أيضا الى ما يقوم به من مهام كثيرة متشعبة منها تأليف الكتب المسهب والكتابة الصحافية وعضويته في مجلس الشورى "تمعن هنا في ظاهرة تعدد المهام وعدم التفرغ الكامل للعمل التنظيمي كواحد من عيوب قيادات اليسار" فإنه لا أحد يعرف كيف سيقود السعيد سفينة "التجمع" وسط أهواء وأمواج من المتغيرات المختلفة داخل الحزب وعلى المستوىين الوطني والعالمي·
ü كاتب بحريني |