رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13 رمضان 1424هـ - 8 نوفمبر2003
العدد 1602

أزمة حضارية!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

تمثل ردود الفعل المستمرة حول التغيير الذي حدث في العراق بفعل التدخل الأجنبي مظهرا واضحا للأزمة الحضارية التي تعاني منها بلدان ومجتمعات العالم العربي، هناك رفض لتغيير الأنظمة القائمة مهما كانت درجة بطشها وعنفها، كما كانت الحال مع النظام العراقي البائد، ولا يعكس ذلك موقفا للأنظمة الحاكمة، التي تتحسس الرهبة من تمدد التدخل والتغيير ليشملها، ولكن يعكس أيضا درجة من التوجس المجتمعي من تبعات التغيير، ومما يثير الاهتمام، والاستغراب في آن، أن عددا كبيرا من المثقفين العرب يقفون ضد التغيير الذي بات مستحقا في ظل حال الركود أو الجمود الذي تعاني منه المجتمعات العربية، ومما لا شك فيه أن مثل هذا الموقف يثير تساؤلات حول مسألة الثقافة في العالم العربي ومدى تأثرها بالتيارات المعاصرة وقدرتها على التجاوب مع متطلبات الإصلاح والانعتاق من التخلف والديكتاتورية، من جهة أخرى هناك الأحزاب العربية التي لا تزال بعيدة عن متطلبات الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي في بلدانها واستمرار خطابها السياسي على الوتيرة ذاتها التي طغت خلال السنوات الخمسين الماضية في العالم العربي، كل هذه العوامل تشير الى أن قضية التطوير والتنمية في بلدان العرب ستواجه عقبات على مدى الزمن المقبل ما لم تحدث تطورات دراماتيكية غير مسبوقة أو متوقعة لإنجاز التحولات المنشودة في البنية المؤسسية في هذه البلدان·

لقد دار حوار خلال الأسابيع الأخيرة في بعض الصحف العربية مثل "الشرق الأوسط" و"الحياة" حول مسألة التغيير والإصلاح وما إذا كانت القوى السياسية والعناصر المثقفة تستطيع أن تقود عملية التغيير ضمن شروط مشروعة في بلدان المنطقة، أم أن المجتمعات العربية باتت في حال من السكون لا تجدي فيه سوى أساليب الصدمة أو عمليات التدخل الخارجية أو الضغوط الدولية لإنجاز المتغيرات المنشودة، أشار بعض المتداخلين في ذلك الحوار أن هناك إمكانات لإنجاز التغيير دون تدخل الآخرين من خلال إفساح المجال أمام أصحاب الرأي والمطالبين بالتغيير للتعبير عن وجهات نظرهم أمام حكام بلدانهم والتفاعل بين أطراف المجتمع المختلفة للتوصل الى قناعات حول أهداف الإصلاح وأساليب إنجازه·

قد يكون ذلك ممكنا في عدد من البلدان العربية التي تملك قياداتها السياسية نسبة معقولة من الوعيد وتؤمن بأهمية الاستماع للرأي الآخر، لكن هل يمكن الزعم أن ذلك ممكنا في بلدان لا تختلف أنظمتها عن نظام صدام حسين البائد، والذي لم يترك أي مجال أمام الحوار والتعبير بشفافية أمام أي طرف معارض؟ لا ريب أن عددا لا بأس به من الأنظمة العربية تنتمي للشمولية ورفض أي مقترحات أو وجهات نظر من الأطراف المعارضة، لكن إذا كان البديل هو التدخل الخارجي لإجبار تلك الأنظمة على تغيير قيمها وأساليب الحكم فإن المسألة ليست يسيرة حيث إن هناك معارضة في المجتمع الدولي لأي تدخلات دون مسوغات كافية، مثل أن يكون النظام المستهدف يهدد البشرية أو أنه بصدد القيام بأفعال تهدد الكيان المجتمعي أو أعمال الإبادة الجماعية، وقد واجهت عمليات التدخل في بلدان مثل رواندا والصومال والبوسنة وكوسوفو تحديات على مستويات متعددة، منها ما هو متعلق بمواقف الدول الرئيسية في العالم ومنها ما يتعلق بالمواقف الشعبية ومواقف أعضاء المجالس التشريعية في البلدان التي كانت بصدد القيام بالتدخل مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وغيرها·

ولا شك أن التخوف من التدخل يتأثر بالتراث السياسي المعادي لأي أعمال عسكرية ضد الآخرين والذي يفسره الكثير من السياسيين والمثقفين في البلدان الأوروبية أو في الولايات المتحدة الأمريكية أو كندا، بأنه نوع من الهيمنة الجديدة على بلدان العالم الثالث، لا شك أن هذه المواقف تعبر عن مأزق حقيقي أمام العالم المتحضر في تعامله مع البلدان النامية وتسلط أنظمتها الديكتاتورية والشمولية على مصالح شعوبها·

يضاف الى ما سبق ذكره أن المجتمع الدولي لم يتمكن من صياغة نظام للتدخل الحميد من أجل رعاية التغيير والإصلاح وإنقاذ الشعوب من تسلط المتجبرين من حكامها، وتثار هنا مسائل مثل شرعية التدخل وما هي المحددات الأخلاقية الداعية لذلك، كذلك لا يجب أن يغيب عن البال أن التعامل مع هذه المسائل يدفع للتفكير بالتكاليف المادية والبشرية ومدى قدرة الدول على تحمل الأعباء والتكاليف السياسية التي سيتحملها صانعو القرارات في بلدانهم، وليس ببعيد ما يجري الآن في الولايات المتحدة من جدل حول مسألة العراق والتكاليف المالية والخسائر البشرية التي يتحملها الشعب الأمريكي من هذا التدخل، خصوصا أن الفترة الراهنة تسبق الانتخابات الرئاسية بسنة واحدة، وهي سنة يكثر فيها الجدل ويحاول كل طرف أن يستفيد من كل الأمور من أجل التمكن من الفوز بالانتخابات، بيد أن الأمر لا بد أن يواجه على مستوى الأمم المتحدة حيث لا يجوز أن تظل الشعوب تعاني من التخلف والاستبداد دون رحمة من الآخرين، خصوصا أن إمكانات التغيير في الزمن الحالي من خلال القدرات الوطنية باتت شبه معدومة نتيجة لتمكن الأنظمة القمعية من ترتيب أوضاعها للتحصن ضد التغيير، وفي بلدان عربية هناك مسألة الصراع العربي الإسرائيلي التي تستثمر بشكل جيد ضد أي مطالبات بالإصلاح والتغيير، ومن السهل اتهام أي طرف يطالب بالتغيير بالخيانة والعمالة وغير ذلك من اتهامات·

إن الأوضاع العربية السائدة والتي تكرست على مدى زمني زاد عن نصف قرن تؤكد بأن متطلبات التغيير أصبحت معقدة، وأن الأزمة تمثل مأزقا ثقافيا وحضاريا، تؤكد هذه الحقيقة وغيرها من حقائق أن العالم العربي لم يتمكن من تجاوز عتبات التخلف الحضاري حتى يومنا هذا بالرغم من الإنفاق على التعليم والإعلام على مدى العقود الماضية، وتذكر الإحصاءات أن ما ينفق على التعليم يمثل أكثر من خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان العربية، وهي نسبة مرتفعة بالمقاييس الدولية، لكن ماذا نجد؟ هناك الآن ما يزيد عن الستين مليونا من الأميين، كما أن مخرجات التعليم الجامعي لا تتمكن من التعامل مع أدوات العصر من التقنيات الحديثة، وتنخفض نسبة المتعاملين مع الحاسوب والإنترنت، ولا يجيد معظم المتعلمين التحدث باللغات الأجنبية مثل الإنجليزية أو الفرنسية، وتنخفض أعداد الكتب المترجمة الى اللغة العربية التي تمكن من التواصل مع الثقافة والعلوم، هذا التخلف إذا أضيف له التخلف الاقتصادي والسياسي يعزز الاعتقاد بأن مسألة التغيير السياسي قد تكون مهمة، ولكنها ستظل خطوة أساسية في سبيل إنجاز متغيرات في بنية الفكر العربي والمنظومة الثقافية والهيكل الاقتصادي، ومهما يكن من أمر فإن التحدي أمام العرب يظل قائما فهم لم يتمكنوا من الاستفادة من ثرواتهم وإمكاناتهم البشرية لصناعة نموذج حضاري كما تمكنت شعوب كثيرة أخرى في العالم الثالث·

 

tameemi@taleea.com  

�����
   

المعارضة من خارج البرلمان:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
العراق والكوارث في لعبة السلام!!:
سعاد المعجل
توارث السلطة:
يحيى الربيعان
بلد المليون تاجر:
م. مشعل عبدالرحمن الملحم
قوة العامل:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
أزمة حضارية!:
عامر ذياب التميمي
وزارة التربية ومعاملات النواب:
المحامي نايف بدر العتيبي
الأساليب التربوية الجديدة في كلية العلوم الإدارية:
المهندس حسن محمد أشكناني
تخصيص مكاتب البريد في الكويت: تجربة تسويقية:
خالد عايد الجنفاوي
شهادة صهيونية:
عبدالله عيسى الموسوي
تقييم للمقاومة الصدامية·· ومقاوميها الأمريكان!!:
د. جلال محمد آل رشيد
متى يتحوّل العراقيون من العقيدة الانتقالية إلى العقيدة الدستورية:
حميد المالكي
استراتيجية التطوير البرلماني:
تطـوير الأمانة العامة في البرلمان (3 والأخيرة):
د· علي الصاوي
الديون والتعويضات:
د. محمد حسين اليوسفي