|
مما يحزن حقيقة هو ضياع الكثير من وقت أعضاء مجلس الأمّة "الثمين" في مناقشة مواضيع ثانوية تعطى أكثر من حجمها الطبيعي كبرنامج السوبر ستار· فبدلا من الاستمرار في اقتراح و مناقشة مشاريع قوانين تقدمية في أهدافها بطريقة عقلية تؤدي الي تنقيح وإضافة تعديلات في هذة القوانين بما يتناسب مع قوانين حقوق الإنسان، نجد أنّ التيارات السياسية المختلفة بدأت على ما يبدو في جعل مناقشة برنامج السوبر ستار مسألة أساسية في أجندتها الحالية، ولكن ما يثير أو يشدّ الانتباه في موضوع هذا البرنامج الترفيهي الجديد، هو أنّ برنامج السوبر ستار له أبعاد سياسية خطيرة·
فحسب متابعتنا لما يطرح في الجرائد المحلية حول هذا البرنامج، يمكن القول أنّ هذا المنتج الثقافي الغريب (لقد تمّ تغيير اسمه من "بوب أيدل"، أي معبود البوب - فن موسيقي الشباب والمراهقين الحديث- الى سوبر ستار، وهي ترجمة رعت على ما يبدو معارضة بعض المجتمعات العربية لكلمة أو صفة المعبود) وهذا يمثّل آخرمخترعات أو توليفات مجموعات ثقافية معيّنة في الوطن العربي اعتادت على الاستعارة من الغرب بشكل يجانب الصواب أو المطلوب في فترة يعاني منها الإرث الحضاري العربي من آفات وصعوبات كثيرة·
لا يمكن حقيقة تسمية استعارة هذا البرنامج الفني البريطاني المشهور بأنّه "تطوير للمجتمع العربي عن طريق التبادل الثقافي، بل إنها استعارة ثقافية غير مجدية من ناحية عملية"، نريد التوضيح هنا أنّ التبادل في هذه الحالة هو من جهة واحدة دائما (غرب الى شرق)· نحن هنا لا نتّفق مع التيارات السيادينية أو الليبرالية في رؤاهم المختلفة حول هذا الموضوع، ولكن ننظر الى موضوع برنامج السوبر ستار كآخر علامة أو دليل على ضياع الرؤية فيما يعتبره الكثير من المثقفين "العرب" إنجازا حضاريا· نحن نشجّع الاستعارات الثقافية والعلمية بين الأمم والحضارات، ولكن ما لا نتّفق معه هو تصوير كل المنتجات أو التوليفات العربية - الغربية كأنها آخر الانجازات الثقافية التقدمية·
فبدلا من ترجمة أو توليف آخر المنتجات العلمية، السياسية والثقافية الغربية، نجد بعضا من الطبقات الثقافية العربية، يتجه الاتجاة المعاكس، أي بصيغة أفضل، هناك خلل في بوصلة الاستقبال "الاستعارة العربية" من الغرب، وآخر دليل علي ذلك يمكن ان يكون هذا الانجاز اللبناني الأخير· نحن هنا لا نعزل ما يحصل في هذه الدول من تبادل ثقافي بينها و بين الغرب عن ما يجري في الكويت، ولكن يمكن القول بشكل عام أنّ بوصلة الاستعارة العلمية "العربية" قد كسرت ودمرت منذ أيّام ألأندلس، وبشكل خاص منذ وفاة عبقري هذة الأمّة، ابن رشد، ونحن هنا أيضا لا ندعو إلى "إظلام" واقع الشاب أو الشابة العربيين أزيد مما هو مظلم عن طريق منع برنامج السوبر ستار، ولكن ندعو لشحذ همم هذه الأمّة عن طريق الاستعارة والاستفادة من آخر التطورات الغربية في مجال البحوث ذات النتائج العملية·
فبدلا من تطوير المجتمع المدني العربي و بعث روح جديدة في نشاطه العلمي والاجتماعي، والتعليمي، نجد الكثير من القوى الثقافية العربية تصوّر استعارة أشكال الفن كبرنامج السوبر ستار كأنّه ما يجب أن يفعل و يشجّع، حبّذا لو تمّ تطبيق ومناقشة آخر تطورات النظريات السياسية الغربية علي ما يجري داخل المنظومات السياسية العربية من اضطهاد غير إنساني لحقوق الناس، و خاصّة المعارضين السياسيين· (إننا نشيد بما تمّ من تطور سياسي واجتماعي في الكويت، ونعلم علم اليقين لو أنّ هذا المقال كتب في جريدة عربية أخرى، لألقيت عظام كاتب هذه المقالة في غياهب سجون قريبة من مركز الأرض - نتحدّث هنا من ناحية علمية جيولوجيّة بحتة)
لقد تطوّر الغرب بشكل عام من ناحية الحرية في اختيار قيادته السياسية و حريّة التعبير عنها لدرجة أنّ من يحاول التمادي في مدح الأنظمة السياسية العربية الموجودة، يتوقّف للتفكير أكثر من مرّة عمّا سوف يقوله في اللحظة التالية، ولكن أيها القراء الأعزاء لنناقش ما عنينا سابقا بالبعد السياسي لبرنامج السوبر ستار·
مما يدعو للعجب أنّ برنامج السوبر ستار قد جمع مناصرين له بشكل غير طبيعي وطوّر طريقة التظاهرات السياسية العربية بشكل عصري جدا، فبعد خسارة مطرب لبناني "ملحم زين" تجمّع نحو 150 من معجبيه يتظاهرون على نتيجة التصويت رافعين صور المغني سيئ الحظ، لا بل حسب الـ"بي بي سي أون لاين" (الثلاثاء، الثاني عشر من أغسطس، 2003)، ردّد المتظاهرون:" بالروح بالدم نفديك يا ملحم" أمام أبواب محطة تلفزيون المستقبل·
يمكن التكهّن هنا أن المعارضين لهذا البرنامج في الكويت قد انتبهوا لأثر هذا البرنامج على الناخبين المحليين مستقبلا· أي عند التفكير في مقارنة تأثير هذا البرنامج علي الشباب والشابات اللبنانيين المئة والخمسين وقيامهم في التظاهر حول نتائجة "الظالمة" لملحم زين، يبدو أنّ المعارضين لهذا البرنامج في الكويت يخشون ضياع أصوات ناخبيهم الشباب لأحد الفائزين الجدد، بالطبع، تظاهر هذا العدد الكبير نسبيا في لبنان لا يعكس الصورة الحقيقة لطريقة تفكير و تميّز الشباب والشابات اللبنانيين، وكذلك لدينا الثقة أنّ الجيل الكويتي الجديد أكثر تطورا، ودراية من أن يتظاهروا لظواهر ثقافية هي أصلا عابرة و موقتة، وليس لها أثر كبير في تنمية الثقافة المحلية أو تطوير الحس الفني (لا نظنّ هنا أيضا أنّ السوبر ستار سوف ينتج عبقرية فنية جديدة تشابه في إنتاجها الجمالي والشاعري عوض دوخي أو سليمان الهويدي رحمهما الله)· |