| ينمّ الوضع الغامض في جارتنا الشمالية عن صعوبة في التكهن حول التشكيلة السياسية أو التيارات السياسية التي سوف تحكم تلك المنطقة، وهنالك الكثير من الإشارات التي يقدر المطّلع أو حتى المراقب العادي الاعتماد عليها في التكهن، ولو حتى بشكل تقريبي، في رسم صورة ذهنية للنظام السياسي القادم، وعندما نذكر الإشارات في هذه الصيغة فنحن لا نقصد هنا ما ينتج عن ما يطلق علية بالفضائيات العربية، فتلك الوسائل "شبه الإعلامية" قد ابتعد الكثير منها عن معايير الموضوعية إمّا في طرح قضايا الساعة أو حتى إعطاء الصوت المعارض فرصة "حقيقة" لشرح رؤيته للأمور، ونحن هنا أيضا، لن نبدأ نقدا تقليديا، كاتهام تلك القنوات بافتقاد العدالة، أو في عدم إعطائها الفرصة لوجهة النظر الأخرى·
فعلى أقل تقدير يجب علينا أوّلا مناقشة الخطوط السياسية أو نوعية الاتجاه السياسي لمّلاك تلك القنوات، فليس من المعقول وصف بعض تلك القنوات بالحيادية والعقلية السياسية لمالكيها ولدت وتبلورت في دول ليس لديها إرث سياسي ديموقراطي أو على أقل تقدير يوجد لديها احترام لحقوق الإنسان حسب معايير الأمم المتحدة، ونحن بالطبع لا نقول هنا بأن أغلب تلك القنوات تدار من قبل منظومات شبه سياسية، أو أن مالكيها يتدخلون تدخلا مباشرا في صياغة رسائلها الإعلامية والتي بين مستواها وتطوره لمستوى ما يطرح في الـ >BBC<، على سبيل المثال، عقود طويلة، لكن نقول، من ناحية أخرى، بعدم وجود دلائل بأن تلك القنوات لا تخدم بشكل أساسي مصالح سياسية معيّنة في المنطقة· ولكن على أي حال، ما يهمنا هنا في هذه المقال هو مصلحة وطننا الغالي· فيجب علينا حقيقة دراسة الوضع السياسي في جارتنا الشمالية بشكل جدّي والتركيز بشكل جدّي، أيضا، على استشراف ما سوف تؤول إليه علاقتنا مع النظام السياسي القادم قريبا· فوطننا الغالي يحوي الكثير من الكفاءات السياسية والمفكرين الاستراتيجيين ذوي الكفاءة العالية والذين من الممكن الاستفادة من خبراتهم الأكاديمية والسياسية في وضع التصورات المناسبة لما يحدث في منطقة الشمال· وكذلك يوجد حاجة ماسة، حسب نظرتنا "غير المتواضعة"، لرسم إستراتيجيات اجتماعية، ثقافية وسياسية محددة جدا، تكون كالحاجز الفكري والسياسي Buffer Zone لصد أي محاولة "بربرية" أخرى، سواء من الشمال أو أي اتجاهات أخرى· فالمنطقة تعم بالكثير من التوترات السياسية والاجتماعية (إن لم تكن تلك صفة أساسية في هذه المنطقة أصلا) والتي يجب علينا الاستعداد لها ومواجهتها بخطط إستراتيجية لها القدرة على دراسة المستقبل وعدم إهمال أي صغيرة أو كبيرة لها علاقة بهذا الموضوع·
وتنبع الحاجة لرسم تلك الخطط من إتّباع الكثير من الدول النامية سياسيا لإجراءات مماثلة، فعلي سبيل المثال، وهذا أمر شائع جدا ومعروف، بأنّ أحد أقوى رموز الديمقراطيات المعاصرة في هذا العصر، الولايات المتحدة، تنفق البلايين، إن لم يكن الترليونات، من الدولارات، على المعاهد الإستراتيجية والمؤسسات البحثية، لدراسة الظواهر السياسية المختلفة، سواء على النطاق الوطني الداخلي أو الدولي· نحن هنا لا ندعو لإنشاء معاهد أو مؤسسات إستراتيجية أو بحثية جديدة، ولكن ندعو لتفعيل المؤسسات الوطنية الموجودة أساسا وكذلك ندعو لاستثمار الخبرات الوطنية الموجودة بين ظهرانينا· فمثلا، يمكن تفعيل مكاتب البحوث والدراسات، الموجودة أصلا في وزارات الدولة المختلفة، بشكل أفضل بوضعها تحت "مظلة واحدة" تعنى بدراسة كل البحوث المنشورة وغير المنشورة من تلك المكاتب، ونشر تقرير سنوي شامل حول منتجات تلك المكاتب ليكون بوسع متخذ القرار، والمهتم أيضا، الاستفادة منها في بلورة استراتيجية واحدة شاملة أو الخروج برؤية محددة حول ما تتجه إليه الأوضاع في هذا الوطن· ما يحدث في الشمال أو في المنطقة بشكل عام سوف يدعو حقيقة للقلق إن لم يكن لدينا تصور شامل أو إستراتيجية شاملة واضحة المعالم·
هناك حاجة ماسة لتكوين معهد أو مركز إستراتيجي شامل، فدولتنا، وشعبنا، ونظامنا السياسي يستحقون ذلك إن لم يكن أكثر و أفضل من ذلك·
|