| جاءت نتائج انتخابات مجلس الأمة في الكويت لتؤكد عجز القوى السياسية في الكويت عن تخطي العراقيل الواقعية ضمن النظام الانتخابي في الكويت، وكما هو معلوم أن توزيع الدوائر الانتخابية في البلاد والذي جرى تعديله في عام 1980 في غياب مجلس الأمة أكد التوزيع على أسس محلية وقبلية وطائفية مما ألغى دور الفعاليات السياسية ذات البرامج المحددة·· ولذلك فقد انتشرت ظاهرة نواب الخدمات الذين يفوزون بحكم قدرتهم على إقناع الناخبين بإمكاناتهم لتحقيق مطالبهم المعيشية والوظيفية وغيرها من خدمات حياتية أساسية - وإذا كان المرشحون في الحملة الانتخابية الأخيرة قد رفعوا الدعوات لتصحيح نظام توزيع الدوائر فهل نتوقع أن يقوم مجلس الأمة، بتركيبته الجديدة، بتعديل هذا التوزيع والعودة إلى نظام الدوائر العشر أو نظام الدائرة الواحدة أو غير ذلك من أنظمة؟ وقد يعتمد الأمر على مدى رغبة السلطة السياسية لإنجاز التعديل إذا ما اقتنعت بأهمية الإصلاح السياسي·· ومما لاشك فيه أن إصلاح الأوضاع السياسية يتطلب تعديلات مهمة في إجراءات العملية الديمقراطية وهي كثيرة·
وإذا اعتبرنا تعديل نظام توزيع الدوائر مهما فإن توسيع قاعدة الناخبين يعتبر أساسيا، ومن أهم ما يستوجب في هذا الأمر منح المرأة الكويتية حقوقها السياسية كاملة وتخفيض سن الناخب الأدنى إلى 18 عاما·· هل يمكن للمجلس بتركيبته الراهنة أن يحقق ما هو مستحق منذ زمن سحيق أم أننا مرة أخرى يجب أن ننتظر أن تبلور الحكومة موقفها وتدفع للتغيير من خلال آلياتها الحاسمة داخل مجلس الأمة؟ بتقديري المتواضع أن هذه التعديلات، وخصوصا ما يتعلق بحقوق المرأة السياسية، سوف تعتمد على مدى توافر الإرادة السياسية لدى الحكومة الجديدة لإنجازها·· وهكذا يصبح من الضروري توافر مجلس وزراء قوي بإرادته نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي، ويحوي وزراء متمكنين وقادرين على الإقناع حيث إن مجلس الأمة يبدو محافظا في توجهاته الاجتماعية والسياسية، وقد تستطيع الحكومة، إذا أرادت، أن توفر غالبية لطروحاتها في مثل هذا المجلس، وهي أيضا يمكن أن تعتمد على عدد من العناصر المحدودة العدد داخل مجلس الأمة·· ولاشك أن امتحان إصلاح الحياة السياسية يظل الأهم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا الوطني وفي ظل المتغيرات الإقليمية الجارية وتبدلات الفكر الاستراتيجي في الدول الرئىسية في العالم·
لكن من أهم ما تمليه نتائج الانتخابات هو مدى قدرة القوى السياسية على بلورة استراتيجيات جديدة للتعامل مع الواقع السياسي في البلاد، لاريب أن من أهم الحقائق ما يتعلق بالفكر السياسي لهذه القوى والتي ظلت تعتمد على معتقدات وقيم فكرية، وإن عدلت على نحو ما، من تراث الصراع في الحرب الباردة وموروثات الثقافة العربية التي نمت في ظل الأنظمة الدكتاتورية والمستبدة·· وهذه القيم سواء كانت ذات نزعة يسارية أو قومية أو إسلامية لم تتمكن من فهم متطلبات تطوير الحياة السياسية في الكويت·· وبالرغم من تجربة الاحتلال العراقي الغاشم في عام 1990 ووقوف مختلف القوى السياسية العربية ذات المنطلقات المتنوعة مع نظام صدام حسين فإن مواقف القوى السياسية في الكويت، وإن شجب تلك المواقف، لم تتبلور باتجاه التحرر من القيم الموروثة وذات الصلة بالواقع العربي، أي أن صدمة الاحتلال لم تكن كافية لتحرير العقل السياسي الكويتي بما فيه الكفاية ليصيغ قيما سياسية ذات تأثير على متطلبات الإصلاح السياسي في البلاد·
من جانب آخر ظلت هذه القوى، وخصوصا القوى الديمقراطية وشبه التقدمية، تعتمد على قيادات تاريخية لم تستطع أن تطور مفاهيمها لكي تتمكن من جذب العناصر الشابة في المجتمع الكويتي·· ويمكن أن يكون لهذا الجمود القيادي دور أساسي في عدم القدرة على التواصل مع مجتمع الشباب الذين يمثلون أغلبية ساحقة بين الكويتيين حيث يمكن تقدير الذين تقل أعمارهم عن الخامسة والعشرين بأكثر من 65 في المائة من السكان·· هل تستطيع الحركة الديمقراطية أن تطور خطابها السياسي ليلقي الصدى المناسب في أوساط الشباب بحيث يخاطب متطلباتهم الحياتية ورؤيتهم للأمور بعيدا عن إرهاصات العقود القديمة التي تأصلت فيها قيم هذه الحركة الوطنية؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل لن يكون هينا أو ممكنا دون تفعيل العقل وتوسيع دائرة الحوار بين الأطراف ذات التوجهات الديمقراطية في البلاد ويتعين الأمر أن تقوم جماعات الحركة الديمقراطية في الكويت بالبدء بالحوار وتطوير عملية التحالف السياسي بما يؤدي إلى خلق تنظيم سياسي واسع وقادر على استيعاب متطلبات العصر الحديث واحتياجات الشباب والنساء·· هناك بلورة لهذه الطروحات ربما قد بدأت قبل ظهور نتائج الانتخابات وهي ضرورية ويجب الاستمرار فيها لكن من المهم تسليم زمام القيادة لعناصر شابة قادرة على الاستمرار والعطاء والسعي لتوسيع قاعدة المستفيدين من توجهات المنظمات الديمقراطية·· كذلك لابد من تفعيل دور منظمات المجتمع المدني لدفع عملية الإصلاح إلى الأمام·
tameemi@taleea.com |