| ليس هناك من جدال حول ضرورة إنجاز عمليات إصلاح متعددة ومتنوعة في جميع البلدان العربية لكن يظل إصلاح البنية الثقافية أهم ما يجب منحه الأهمية الضرورية، فقد تعطلت الكثير من الإنجازات في الميادين التعليمية والاقتصادية والسياسية نتيجة لوجود منظومة قيم ثقافية معادية للإصلاح بسبب تراكم القيم والمفاهيم التقليدية التي تؤثر الاستمرار مع التقاليد والعادات التي تربى عليها الكبار قبل الصغار من القوم·· ومما لاشك فيه أن منظومة القيم تمثل أقوى وأهم خطر دفاع للأنظمة السياسية الحاكمة التي تؤثر عدم التغيير الذي قد يصيبها في مواجع ومقاتل· وعندما يدخل وزير أو مسؤول في حكومة من الحكومات العربية ويطرح، أو يتصدى لإنجاز، عمليات إصلاحية ثم يجد معارضة شديدة من قوى المجتمع المحافظة أو المستفيدة من الأوضاع الراهنة فإنه، عادة، لا يجد الدعم من حكومته، وقادتها بشكل مثير للاستغراب حيث إن المؤسسات الحاكمة يجب أن تتبنى طروحات أعضائها، ولكن لتغلب المفاهيم التقليدية تتم التضحية بهذا الوزير أو المسؤول مهما كانت أهميته وقدراته·· وهناك نماذج عربية، خليجية أو غير ذلك، تؤكد هذه الحقيقة التي يجب فهمها في سياق المنهج الثقافي السائد في هذه البلدان·
لكن إذا كان الإصلاح الاقتصادي، على سبيل المثال، يواجه تحديات، منها ثقافية، فإن الإصلاح المطلوب للبنية الثقافية يتطلب مواجهة مع قوى مجتمعية خارج إطار الحكومة والبيروقراطية، وربما بقية القوى السياسية خارج سلطة الحكم·· هذه إشكالية عميقة تستلزم توافر صبر وقدرة على المواجهة السلمية الجريئة لهذه القوى المجتمعية وبذل الجهد الفكري اللازم لإقناعها بأهمية الإصلاح الثقافي من أجل إنجاز مهام التطوير والتحديث وتفعيل عملية التنمية المتوازنة بكل أبعادها·· وإذا كانت هناك حكومات مقتنعة، أو هي في سبيلها للاقتناع، بضرورة الإصلاح البنيوي في البلدان العربية فإنها يجب أن تمهد السبل من أجل التصدي للمسألة الثقافية· وقد تكون البداية في إصلاح النظام التعليمي وتغيير المناهج والتركيز على مناهج العلم والمعرفة ذات الصلة بالعصر الحديث، وكذلك التركيز على أهمية تدريس اللغات الأجنبية في بداية التعليم الأساسي لكي يتمكن التلاميذ والطلبة من متابعة العلوم وتطوراتها في هذه اللغات، وخصوصاً اللغة الإنجليزية التي يعتمد عليها في الإنترنت وغيره من وسائل الاتصال بالمعرفة الحديثة·
وقد لا تكون مهمة التغيير الثقافي صعبة المنال عندما توضع لبنات إصلاح التعليم حيث إن شعوب المنطقة هي شعوب يافعة وشابة فهناك أكثر من ستين في المئة من هذه الشعوب العربية، خصوصاً في منطقة الخليج، تقل أعمارهم عن العشرين عاماً·· هناك أهمية لتكييف عقول هؤلاء الشباب بما يتوافق مع متطلبات الفكر العقلاني المعاصر وإبعادهم عن التطرف والغلو وتمكينهم من التسامح مع الآخرين وقبول الرأي الآخر في ظل مفاهيم الديمقراطية· لكن يجب العمل على توفير أساس صالح لإنجاز عمليات الإصلاح الثقافي، ذلك أن هناك ضرورة لتوفير بيئة اجتماعية واقتصادية تمكن من رفع مستويات المعيشة وتحسين نوعية الحياة، وتوفير فرص عمل حقيقية تحافظ على كرامة الشعوب وتبعد الأجيال الشابة عن العوز والحاجة المادية·· ولا يجوز هنا الدفع بأن مظاهر الاستهلاك الترفي لن تمكن أي فرد من الشعور بالرضى حيث إن الشعوب العربية، في غالبيتها، تعاني من الفقر في الكثير من المناحي الأساسية في الحياة المعيشية·
وعند الحديث عن المسألة الثقافية فلا بد من التصدي للسياسات الإعلامية القائمة في الكثير من البلدان العربية·· هناك هيمنة إعلامية رسمية حكومية على وسائل الإعلام، وهذا ينطبق على الصحف والإذاعة والتلفزيون· هذه الوسائل الإعلامية الرسمية لا تقتصر على نشر التوجهات الحكومية من خلال البرامج والمقالات، ولكن بعضها، أو جلها، يساهم في نشر الثقافة الرجعية المناوئة للتغيير والعصرنة، وهناك فسحة واسعة أمام القوى المتخلفة لنشر قيمها في هذه الوسائل الإعلامية الرسمية، من الصحيح القول إن الإعلام لم يعد يخضع بشكل تام للهيمنة الحكومية بفضل وجود القنوات التلفزيونية الفضائىة وتوافر الصحف التي تصدر خارج حدود الدول العربية، مثل لندن، والتي توفر مواد إعلامية متحررة من القيود والرقابة، لكن هذه الوسائل الإعلامية لا يطالعها إلا عدد محدود من أبناء الشعوب العربية، كما أن بعضها، خصوصاً القنوات الفضائية، ما زالت تخضع للفكر السياسي المتعنت والمتسم بالجمود والتبعية لعدد من الأنظمة السياسية القائمة·
إن ما هو مطلوب إعلامياً هو توفير أسس جديدة للتعامل الإعلامي تعتمد على قيم العقلانية والشفافية وحرية نقل الأخبار·· وقد ظهرت قنوات تلفزيونية خلال العقد الماضي ساهمت في تطوير الوعي الإعلامي، وإن كان بشكل غير موفق، إلا أنها مكنت من تكريس ملكة المتابعة من قبل المشاهدين الذين يتزايد عددهم يوماً بعد آخر·· بيد أن المطلوب هو تحرير شامل للإعلام العربي من الهيمنة الرسمية وإطلاق المنافسة بين مختلف وسائل الإعلام حيث إن الإعلام ليس إلا نشاطاً اقتصادياً يجب تمكينه من الاستفادة من آليات السوق وحقائق العرض والطلب ومستلزمات الجودة والتسعير الكفء·· ولاشك أن وجود هيئات إعلامية حكومية مترهلة، كالوزارات أو الصحف الرسمية، لم يعد مقبولاً في هذا العصر الذي يتسم بالشفافية والكفاءة في الأداء والاستفادة من خبرات الموهوبين في هذا المجال بالكلفة الملائمة دون قيود بيروقراطية·
لقد بات واضحاً أن البلدان العربية لن تتمكن من إصلاح أوضاعها دون ترتيب منظومة القيم على أسس عصرية· هذا الاستنتاج ليس مبنياً على قناعات ذاتية فقط، ولكن العوامل الموضوعية تؤكد البون الشاسع بين ما يحدث في البلدان المتقدمة وما يحدث لدينا عند التصدي لأي قضية حياتية حيث تختلف أساليب التعامل والاجتهاد·· كما أن من أهم مظاهر التخلف الثقافي هي ظاهرة المثقفين العرب الذين ظلوا ملتزمين بقيم سياسية وفكرية تؤكد الوقوف خلف الأنظمة الشمولية القمعية وتبريرات غير مقنعة· هؤلاء، أيضاً، لا يزالون يضعون قيم الحرية والديمقراطية والتسامح في آخر جدول الأولويات لديهم·· وهكذا تصبح مهمة التحديث الثقافي أساسية· |