| بعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير بشأن التعامل مع أسلحة الدمار الشامل في العراق ووسائل التفتيش عليها وكشفها وتجريد العراق،منها أصبح من المأمول أن ينتهي هذا الفصل من الصراع بين الأمم المتحدة والنظام الحاكم في بغداد في فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر·· ومن المثير للاهتمام أن القرار، بالرغم من لغته الواضحة والمحددة، قد صدر بالإجماع، ويشمل ذلك الدول دائمة العضوية الخمس والدول العشر الأخرى من الأعضاء غير الدائمين، بما في ذلك سورية·· وقد صدرت تصريحات من عدد من الدول الأعضاء مثل فرنسا وروسيا وسورية أشارت إلى أن الولايات المتحدة بصدد الاستيلاء على حق الأمم المتحدة في التعامل مع ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية، وأن هذه الدول لا تقبل باستخدام القوة دون مسوغات مشروعة وخرق لنصوص القرارات الأممية، وغير ذلك من تصريحات متنوعة خلال الأسابيع الثمانية الماضية من مختلف الأطراف التي تمثل الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلا أنها في نهاية المطاف اصطفت وراء القرار الذي تولت صياغته الولايات المتحدة وبريطانيا·
وتمثل هذه الموافقة الإجماعية دليلاً واضحاً بأن الدول الأعضاء في مجلس الأمن يهمها تحقيق السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط وتسعى لتجريد أي نظام خارج عن القانون من أسلحته، خصوصاً عندما استخدم هذا النظام بعضا من هذه الأسلحة ضد الشعب العراقي والإيرانيين خلال سنوات عقد الثمانينات·· كذلك تعني هذه الموافقة أن الدول تثمن علاقاتها مع الولايات المتحدة بقدر أكثر أهمية من العلاقة مع النظام العراقي·· وأتمنى أن يفهم العراقيون وبقية العرب هذه الحقيقة حيث إن النظام في بغداد ناور كثيراً وراهن على اختراق الجبهة الدولية وتمزقها في سبيل تعطيل إصدار القرار، لكن القران أقر، وإن عدل بشكل محدود، وبموافقة أقرب الأنظمة إليه·· هذه الحقيقة هل يمكن للعقل العربي استيعابها وهي أن المصالح السياسية والاقتصادية للدول المتقدمة والمتشابكة بينها أهم من أي علاقات مع نظام حكم ثبت عدم كفاءته وعدم صلاحيته لإدارة العراق، وهو نظام سبب الكثير من المعاناة للشعب العراقي·· إن من المؤكد أن هذه المواقف تمثل نفاقاً لا حدود له وتعبر عن تخوفات من أن تواجه مصيراً مثل ما يواجهه النظام العراقي في الوقت الراهن، وهي، أي الأنظمة العربية المدافعة عن نظام صدام حسين، تشابه ذلك النظام وإن اختلفت عنه بدرجات البطش والتنكيل بشعوبها·
لكن، أهم مما سبق ذكره، كيف سيتعامل النظام العراقي مع قرار مجلس الأمن، هل سيعتمد على آليات قديمة تتصف بالمناورة مثل قبول القرار ثم التلاعب مع إجراءات التفتيش والاعتماد على بساطة وسذاجة المفتشين ونزعتهم لعدم الصدام وتفادي الحرب؟ هذا القرار يختلف عن القرارات السابقة من حيث تحديد أساليب التعامل ثم تقرير المدة الزمنية للمراحل المتعلقة باعتماد القرار من الحكومة العراقية وتحديد الأسلحة من قبل تلك الحكومة ثم إعداد التقرير النهائي من قبل فريق التفتيش·· ولذلك فإن إمكانات المناورة محدودة، كما أن احتمالات حدوث أخطاء من قبل أجهزة النظام بما يشكل خرقاً مادياً للقرار واردة إلى حد كبير·· وإذا حدثت تلك الأخطاء فإن القيام بعمل عسكري من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يصبح محتملاً إلى حد بعيد·
وسيكون أول اختبار هو مدى قبول العراق لهذا القرار، وهذا ربما تحدد قبل نشر هذا المقال·· وقد صدرت حتى الآن تصريحات متضاربة، فمثلاً ذكر سفير العراق لدى الأمم المتحدة بأنه من الصعب قبول القرار بصيغته نظراً لانتهاكه سيادة النظام، لكن أطرافا في السلطة في بغداد أشارت إلى احتمالات القبول والتعامل مع القرار· يتبع ذلك قيام فريق أولي من المفتشين بقيادة هانز بلكس بزيارة بغداد لاتخاذ إجراءات عملية لبدء عمليات التفتيش، ولابد أن تلك الزيارة سوف تمثل تجربة أولية لكيفية التعامل بين الأطراف ذات الصلة·· وإذا كانت فرق التفتيش في السنوات الماضية قد تعاملت بلطف مع مؤسسات النظام العراقي ولم تتعامل بالجدية المناسبة فإن الأمور تغيرت كثيراً الآن، وهناك إدارة أمريكية يقظة تريد أن تتعامل مع هذا النظام بالأسلوب الملائم·· لا ريب أن النظام العراقي يريد الاستمرار في حكم العراق، وربما يعمل على تسهيل مهمة التفتيش وتفادي أي صدام ومشاكل حتى لا يتيح فرصاً لاستخدام القوة ضده·
هناك من أشار خلال الأسابيع الماضية إلى أن النظام العراقي قد يفوت الفرصة على الولايات المتحدة ويقوم بالتعاون الشامل مع المفتشين ويبين كل مالديه من أسلحة دمار شامل ويحدد البرامج العسكرية التي كان بصددها·· ويضيف آخرون بأن هذا النظام ربما يقوم بإصلاحات سياسية داخلية ويتصالح مع جيرانه ويغلق ملفات كثيرة مثل ملف الأسرى الكويتيين والأسرى الإيرانيين·· ويذكر هؤلاء المتفائلون، بإصلاح النظام من الداخل، بأن فرنسا، وإلى حد ما روسيا، تقوم بإسداء النصائح للنظام الحاكم في بغداد لإثبات شرعيته الشعبية وقبوله في هذا الإقليم من العالم·· لكن هل هذه الإدعاءات لها أساس من الواقع؟ لا يمكن التكهن بمثل هذه التطورات، حيث إن مثل هذا النظام لا يمكن أن يقدم على خطوات إصلاح، ولو تجميلية لأنها سوف تصيبه في مقتل·· ولقد أثبتت الحقائق التاريخية أن أي نظام شمولي يقدم على إصلاحات سياسية يكتب شهادة وفاته، وما على هؤلاء إلا الاستفادة من التاريخ المعاصر· |