| ليس السؤال الآتي الملح في اللحظة التاريخية الراهنة: هل نشارك في الانتخابات النيابية الوشيكة أم نقاطعها؟
سؤال كهذا عديم الجدوى حتى لو أمتلك أصحابه الإجابة عن مالم يقترن في كلتا الحالتين - المشاركة أو المقاطعة - بسؤال مزدوج آخر يتبعه بكل وضوح ومن دون تهرب أو القفز عليه إلى المجهول هو:
ثم ماذا بعد المشاركة؟
وثم ماذا بعد المقاطعة؟
وأكاد أجزم مقدما بأن من يأخذون بموقف المشاركة يمتلكون بديلا واقعيا متماسكا لآفاق العمل السياسي وتطوير العملية الديمقراطية أكثر مما يمتلكه الذين يأخذون بموقف المقاطعة ومعهم المتذبذبون أو المناورون حاليا، أي الذين ينحون إلى لغة المقاطعين المتشددة دون تحديد موقف واضح من المشاركة وهم يخفون أو يؤجلون ورقة قرار المشاركة في جيوبهم إما لمسايرة أمزجة فئات من الجماهير المحيطة التي تم تثبيط عزائمها مقدما، وإما كمزايدة لكسب نقاط على القوى التي أعلنت بوضوح قرار المشاركة· وهذه مغامرة أقرب إلى المقامرة·
ففي كل الأحوال فإن المقاطعين والمتذبذبين والمناورين لا يفعلون في هذا الوقت القصير الضائع المتبقي للمعركة الانتخابية سوى إضاعة المزيد من هذا الوقت القصير وإضافة المزيد من الإحباط والبلبلة في صفوف الجماهير المحسوبين انتخابيا كما يفترض على تلك القوى المقاطعة والمتذبذبة والمناورة فيما لو قررت بوضوح المشاركة، ولن يعني إضاعة المزيد من الوقت القصير أصلا وإضافة المزيد من تثبيط عزائم الناخبين الذين يفترض أن تعبر عنهم هذه القوى سوى بلبلة هؤلاء الناخبين وخسران أصوات أقسام واسعة مهنم ساعة العملية الانتخابية وذلك حينما يقرر المتذبذبون والمناورون المشاركة بينما أخذ الاحباط من ناخبيهم مأخذه فيقررون العزوف عن المشاركة·
إن المقاطعين والمتذبذبين والمناورين مطالبون أمام جماهيرهم بالإجابة الفورية عن سؤال مركزي محوري: ثم ماذا بعد المقاطعة؟
هل يستطيع قرار المقاطعة في اللحظة التاريخية الراهنة بظروفها وملابساتها السياسية المعقدة محليا وإقليميا إن يحشد حوله أوسع اصطفاف جماهيري وطني يمثل أكبر فئات الطائفتين وطنيا وإسلاميا؟ دون الإجابة بالإيجابيات عن هذا السؤال تغدو المقاطعة عمليا - مهما كانت حسن نواياها ومهما كانت شعاراتها الديمقراطية أو الإسلامية - انقسامية وخطيرة ستؤدي في الظروف الراهنة - شاء من شاء وأبى من أبى - إلى استقطاب طائفي ثنائي حاد غير مقبول·
والعكس صحيح فإن قرار المشاركة - مهما كانت المآخذ أو التحفظات على الدستور الجديد أو القوانين الانتخابية - هو القرار الوحيد في الظروف الراهنة والمعقدة بالتفاف أعرض تيار إسلامي ووطني من الطائفتين، وهو القرار الوحيد الذي يسمح ببديل يجمع قوى الطائفتين للعمل المشترك من أجل التغيير السياسي باتجاه تطوير العملية الديمقراطية وتصحيح مساراتها وإزالة شوائبها مهما كانت الصعوبات والمعوقات التي تبدو في الأفق كابحة لعملية التطوير هذه، وهنا تبرز مهارة السياسي وذكاؤه في دخول اللعبة السياسية ليس فقط بقوانينها الميسرة، بل إن المهارة الحقيقية ببروز ذكاء صاحبها في أكثر القوانين صعوبة·
لا أحد يقلل من وجاهة العديد من النقاط التي يثيرها أصحاب موقف المقاطعة بل يشاركهم فيها حتى أصحاب موقف المشاركة لكن ما يحصل الآن ليس سوى إعادة توزيع جديدة على لحن المعزوفة نفسه حول الدستور الجديد غداة صدوره في فبراير الماضي وإعادة توزيع لحن جديد أيضا للمعزوفة نفسها حول القوانين البلدية دون أن يقترب أحد من عمل موسيقي جديد حول البديل التوحيدي مهما كانت صعوباته لا البديل الانقسامي مهما كان حسن نوايا مبرراته، والتجارب التاريخية لشعبنا أثبتت إن ما من حركة تغيير سياسية نجحت في ظل شرذمة طائفية أو وطنية، لكن ما أكثر الدروس والعبر وما أقل الاتعاظ·
* كاتب بحريني |