| لا ريب أن الاجتياح الإسرائيلي الذي بدأ في التاسع والعشرين من شهر مارس الماضي قد عقّد إمكانات التسوية السلمية التي أثارتها مبادرة الأمير عبدالله ولي العهد السعودي، التي كان يمكن أن تصوغ عقداً للسلام مبنياً على مبادئ قرارات الأمم المتحدة التي اعتمدت منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في يونيو 1967·· إن من أغرب الأمور أن حكومة شارون تتوافق في أهدافها لمحاربة السلام وتحقيق الأماني المشروعة للشعب الفلسطيني مع المتطرفين الفلسطينيين والعرب الذين يحلمون بإزالة إسرائيل من الوجود·· هذه الأطراف ستعمل جاهدة من أجل منع أي إمكانات معقولة لعقداتفاق سلام يمكّن من إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حقيقية·· وليس من المبالغة الزعم بأن أي عملية انتحارية تقوم بها أطراف فلسطينية متطرفة تمكن شارون وزمرته من توفير الحجج اللازمة لمواجهة المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، لتبرير القمع والإرهاب الذي تمارسه حكومته وعساكره ضد الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية· لم يقتنع شارون يوماً من الأيام، سواء كان داخل الحكومة أو خارجها، بجدوى السلام مع الفلسطينيين ومازال مقتنعاً بضرورة استخدام أقسى وسائل البطش ضد كل الفلسطينيين وعناصرهم الفاعلة من أجل تخريب البنية المؤسسية التي يمكن أن تقام عليها الدولة الفلسطينية المستقلة·
من جانب آخر فإن المتطرفين العرب، سواء كانوا إسلاميين أو قوميين، يبتهجون في ظل تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة· هؤلاء يستخدمون تلك الأوضاع من أجل تهييج الشارع العربي لخدمة أجندتهم السياسية التي تؤدي إلى استقطاب سياسي بما يمكنهم من استعادة نفوذهم في أوساط المجتمعات العربية· إن مما لا شك فيه أن منظمات الإسلام السياسي قد فقدت نفوذاً مهماً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة، وأصبحت في مواقع دفاعية·· كذلك فإن فلول التيار القومي العربي ظلت متمسكة بالدفاع عن نظام البعث الحاكم في العراق وهي تريد أن تحصل على فرص سياسية للدفاع عن ذلك النظام الفاشي، على الرغم من تنكيله بالشعب العراقي، ولذا فإن ما يقوم به شارون في الأراضي الفلسطينية من اعتداءات وتنكيل بالشعب الأعزل والمقاومين، لابد أن يخدم طروحات معادية للغرب· وهكذا يستفيد الإسلاميون والقوميون من تلك الأوضاع للدفاع عن قيم شمولية وثقافات رجعية وأنظمة عربية مستبدة·
من جانب آخر فإن الأوضاع المعيشية والاقتصادية السائدة في البلدان العربية تدفع الملايين من العرب للاندفاع نحو الشارع للاحتجاج تحت يافطات معادية لإسرائيل والولايات المتحدة·· لقد وصلت الأوضاع الاقتصادية العربية إلى طريق مسدود حيث تعطلت التنمية بشكل شبه تام وانعدمت فرص العمل وفقد الشباب العربي كل الآمال المعقودة على تحقيق مستقبل مهني معقول وفرص معيشية مناسبة· إن أي مراقب اقتصادي يستطيع أن يؤكد أن آفاق الاقتصادات العربية لا تبشر بإمكانات تحقيق تنمية متوازنة في ظل الأوضاع السياسية الراهنة· كما أن الإدارات السياسية لم تتمكن على مدى عقود طويلة من توظيف الإمكانات المالية والاقتصادية التي أتيحت لها لمواجهة تحديات المستقبل، ولم تتمكن من التعامل مع مستجدات التحديث والتطوير في بنية الاقتصاد العالمي· ولابد من الإقرار أن الأنظمة الاقتصادية التي سادت في البلدان العربية منذ استقلال هذه البلدان على مدى العقود الستة الماضية لم تتطور وتتحرك باتجاه الاستفادة من الإمكانات المتاحة، أو تدعيم المبادرات الخاصة وتعزيزها·
يضاف إلى ما سبق ذكره أن النمو السكاني المتسارع الذي أوجد شعوباً شابة في مختلف البلدان العربية لم يواكبه تطوير لأنظمة التعليم بحيث تستفيد من هذه الطاقة الشابة في مختلف الأنشطة الاقتصادية من خلال توفير نظام تعليم نوعي يمكن لمخرجاته العمل في مواقع عمل متنوعة·· وإذا كان أكثر من خمسين في المئة من الشعوب العربية من صغار السن الذين تقل أعمارهم عن العشرين عاماً فهل نتوقع أن تتمكن الإدارات الاقتصادية في مختلف هذه البلدان، الغنية والفقيرة، من إيجاد فرص العمل المناسبة لهم· لا شك أن هؤلاء في ظل هذه الأوضاع الطاحنة يجدون في الأوضاع المستعرة في فلسطين المحتلة فرصة سانحة للتعبير عن السخط وفقدان الأمل·· وهكذا نجد التعبيرات التي تبرز في التظاهرات الاحتجاجية عنيفة لفظاً وأسلوباً، وقد برزت هذه المظاهر في مظاهرات البحرين ومصر ولبنان حيث يتفاعل الشأن المعيشي مع المشاعر الأخرى وبحيث يصبح البحث عن عدو خارجي وسيلة مشروعة للتنفيس عن مكنونات النفوس البشرية التي عانت من تراكم المعضلات والإحباطات·
إن أبعاد التسوية السلمية في المنطقة تفرض على العرب أن يجتهدوا مع المجتمع الدولي للبحث عن حلول واقعية لمواجهة إسرائيل واحتلالها الأراضي الفلسطينية· لا ريب أن إنهاء الاحتلال على أسس عادلة وواقعية وبموجب قرارات الأمم المتحدة سيتيح إمكانات وفرصاً لمواجهة استحقاقات التنمية التي أهملت على مدى زمني يزيد عن الخمسة عقود· كذلك فإن الشعب الفلسطيني الذي يعاني من ظروف الاحتلال المريرة ومنذ عام 1967 يستحق أن يستفيد من الدعم التنموي العربي والدولي، بدلاً من أن يصبح أبناؤه عمالة رخيصة في قنوات الاقتصاد الإسرائيلي·· كذلك فإن البلدان العربية المجاورة التي تحيط بفلسطين مثل سورية ولبنان والأردن ومصر تريد أن توفر لشعوبها فرص حياة أفضل في ظل أوضاع إقليمية تنعم بالسلام بدلاً من التوتر وصخب العنف· هذه البلدان عانت من التيارات الأصولية وغيرها التي انتهجت العنف خلال السنوات الطويلة الماضية·· وليس هناك إمكانات واعدة للخروج من دائرة التطرف والعنف إلا من خلال اتباع برنامج تنموي واعد يمكن من تحسين المعيشة ونوعية الحياة· |