| قد لا أبخس بحق الآخرين عندما أذكر أن البحرينيين هم الأكثر اهتماماً بالشأن العام، وربما الأقدر على مواجهة استحقاقات التحول السياسي· مرت البحرين، خلال تاريخها المعاصر، وعلى مدى العقود الخمسة الماضية بإرهاصات سياسية وأمنية جادة أدت إلى حدوث استقطاب بين عناصر السلطة وأطراف كثيرة من منظمات العمل السياسي·· وقد دخل عشرات من البحرينيين السجون والمعتقلات ولفترات طويلة، كما هاجر وأبعد عشرات آخرون وتغربوا في بلاد الله الواسعة لسنوات عدة، ومرت على بعضهم أكثر من ثلاثين سنة دون أن يروا وطنهم وأهلهم وأحبتهم· ولا ريب أن هذه السنوات الطويلة من الاستقطاب السياسي والتشرد والإحساس بالغبن قد أدت إلى تعكر المزاج السياسي للكثير من العاملين في المجتمع السياسي، وربما قادتهم إلى انتهاج مسارات متعثرة، كما أن كل ذلك لابد أن يقود إلى بناء قيم ومعتقدات فكرية قد لاتناسب البيئة المجتمعية البحرينية وما يحيط بها من عوامل إقليمية·· كل هذه العوامل قد تواكبت مع ظروف اقتصادية عسيرة في البلاد أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب البحرينية، وشملت البطالة أعداداً كبيرة من المتعلمين والحاصلين على مؤهلات جامعية وعليا·
لكن البحرين حباها الله بقيادة شابة واعية تحملت المسؤولية منذ عام 2000 عندما تولى صاحب السمو حمد بن عيسى مقاليد الحكم وتوجه دون انتظار نحو تبني برنامج إصلاح سياسي واتخذ خطوات إجرائية محددة لإنجاز مهام ذلك البرنامج الإصلاحي·· ومما لا شك فيه أن شعب البحرين قد تجاوب مع ذلك التوجه بالتصويت الكاسح على الميثاق الوطني “بنعم” مدوية مما أرسى قواعدجديدة للحكم، ومن يزر البحرين في الوقت الراهن يستطيع أن يلمس النشاط الثقافي والسياسي الكبيرين عندما يرى الإعلانات عن الندوات الجماهيرية في مختلف المنتديات فهناك ندوة في نادي العروبة وأخرى في نادي الخريجين وأخرى لدى جمعية العمل الوطني الديمقراطي، وهي جمعية جديدة تمثل تياراً سياسياً ليبرالياً، وغير ذلك من أنشطة ثقافية، الأهم من الندوات هي تلك الأعداد الكبيرة من البشر التي تحضرها وتمارس حقوقها في مناقشة المحاضرين فيها·
لكن هذه التجربة الجديدة، التي تكسب زخماً بسبب التحولات الجارية في العالم والتي تؤكد أهمية الانفتاح وتحرير الأنظمة من قيم القمع والشمولية، يجب أن تؤكد قدرتها على التعامل مع الواقع السياسي على أسس عقلانية·· إن من أهم عوامل القوة في هذه التجربة الديمقراطية في البحرين يجب أن يكون المقدرة على توسيع دائرة التفاهم والحوار بين مختلف عناصر القوى السياسية الأساسية في البلاد، سواء كانوا ليبراليين أو يساريين أو إسلاميين·· على هؤلاء جميعاً التفاهم على الحد الأدنى من الثوابت التي تؤكد ضمان استمرار التجربة، ومن أهم هذه الثوابت التأكيد على حقوق كل مواطن في إبداء الرأي بأسلوب قانوني ومشروع، واحترام الرأي الآخر وحق تكوين الجمعيات السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني، وكذلك حق النشر دون قيود إدارية· كما أن على هذه القوى أن تعمل على ممارسة ضبط النفس وأن لا تكفر أو تخون الأطراف التي لا تملك قناعات ثقافية أو سياسية مغايرة·· في الوقت ذاته يجب أن تعمل هذه القوى على التفاهم مع السلطة الحاكمة للانتقال المتدرج للمجتمع البحريني نحو الديمقراطية والتعددية· وفي إطار العلاقات مع السلطة يجب أن لا تكون العلاقة بين أي طرف سياسي أو أي مواطن مع السلطات الحاكمة مثار شبهة أو شك، أو مجال تندر من الأطراف السياسية الأخرى·
إن المتغيرات الجارية في العالم تحتم قبول الرأي الآخر وضرورة الاستفادة من تجارب الآخرين من أجل تكوين بنية ثقافية جديدة تعتمد الحوار والتفاهم العقلاني، ومن خلال لقاءات حديثة مع عدد من الأصدقاء في البحرين أستطيع أن أؤكد أن تجربة البحرين ستتطور نحو الأفضل نتيجة لما لمسته من احترام وصداقة بين مختلف البحرينيين مهما اختلفت مشاربهم السياسية·· وعلى الرغم من أن بعضهم مروا بتجارب سياسية مريرة ودخلوا المعتقلات أو شردوا في المهاجر، كما أن منظماتهم السياسية لم تكن وليدة قيم ديمقراطية متسامحة واعتمدت فكراً شمولياً، فإنهم قد تجاوزا تلك التجارب الصعبة وانتقلوا بسرعة مذهلة نحو قيم المجتمع المفتوح والمتسامح· لا شك أن هناك عناصر مازالت أسيرة معتقدات قديمة وفكر مستبد، لكن يبدو أن التاريخ العريض سيتجاوز هؤلاء نحو تأصيل الديمقراطية ومفاهيم التحرر من القيم المرتبطة بالفكر الشمولي·
إن ما يسعد المرء أن يرى الرجال والنساء من مختلف الأعمار يتكاتفون من أجل بناء المجتمع البحريني الجديد على أسس ديمقراطية· هؤلاء، سبق لبعضهم، أن انتمى لمنظمات عملت تحت سطح الأرض وتبنت فكراً لا يمت للديمقراطية بصلة لكنهم الآن عادوا، بفضل الانفتاح السياسي، ليعتنقوا مبادئ الحرية والديمقراطية·· وإذا كانت هناك من معوقات قد تواجه التجربة فهي دون شك تعود للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد وارتفاع معدلات البطالة·· قد لا تستطيع البحرين معالجة هذه الأزمة بإمكاناتها الاقتصادية المحدودة، وهنا يأتي دور دول الخليج الأخرى لمعاونة البحرينيين على تجاوز هذا المأزق·· كما يمكن أن تكون الحلول من خلال اتباع سياسات إحلال واقعية بما يمكن شغل وظائف كثيرة من قبل أبناء البحرين·· ومهما يكن من أمر فإن التطورات الجديدة والعلاقات المتوثقة بين أطراف الحكم الرئيسية وقادة المعارضة القديمة تؤكد أن البحرين تسير نحو تأصيل تجربة رائدة في منطقة الخليج العربي، ولابد أن يؤزر هذه التجربة الاستمرار في النهج الديمقراطي والمتسامح والعلاقات الودية بين جميع الأطراف· |