رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 16-22 رمضان 1422هـ الموافق 1-7 ديسمبر 2001
العدد 1505

الإعلام والحقيقة والمنطق!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي تتزابد جرعات الإعلام المرئي والمكتوب بشكل لانظير له في مختلف وسائل الإعلام العربية والصحف السيارة·· لكن ما يراه المرء من حوارات وتقارير إخبارية يمكن أن يستشف منه تحيزاً واضحاً قد لا يتوافق مع الحقيقة بشكل تام·· ولا شك أن البرامج الحوارية في القنوات العربية، وخصوصاً الخليجية منها، والتي اعتمدت على محاورين، صنفوا بأنهم خبراء في مواضيع الحوار، هذه البرامج حملت الكثير من الغث والقليل من السمين، وهي في معظم الأحوال لا تقدم  معلومات مفيدة للمشاهدين بقدر ما تقدم طروحات وآراء أصحابها الذين تخندقوا في مواقعهم الثقافية والفكرية منذ زمن سحيق، ولا يمكن إخراجهم من تلك المواقع مهما طرح المرء عليهم من حقائق وتساؤلات منطقية·· هؤلاء لم يتوقفوا عند طرح آرائهم فقط والدفاع عنها بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك وسفهوا الآراء التي لا يستسيغونها، وبعضهم وخصوصاً من المتطرفين الإسلاميين، كفروا المختلفين معهم بالرأي وكأنهم يملكون حقاً إلهيا لتصنيف البشر كما يحلو لمنطقهم الثقافي والسياسي·· ويتساءل المرء ما إذا كانت هذه القنوات العربية، وهي كثيرة، تنطلق من رؤية سياسية محددة، أو أنها تمثل تيارات سياسية واضحة أو أن أصحابها، سواءكانوا حكومات أو أفراداً، يتبنون ما يذاع على الهواء من قنواتهم؟

ما يثير الحنق أن هذه القنوات، ومنها قنوات حكومية، تفتح المجال أمام بث الخزعبلات تحت ستار الدين مما يزيد عدد المعوقين فكرياً وثقافياً بسبب هذا البث الإعلامي غير المسؤول·· هناك مفسرون للأحلام أو قارئون للبخت والحظ تراهم على شاشات التلفزيون أو على صفحات الجرائد والمجلات، ولا ريب أن الجرعات الكبيرة من هذه البرامج لابد أن تخلق لها مريدين يتابعونها في ظل الركود الثقافي والفكري الذي تعاني منه الشعوب العربية·· وغني عن البيان أن واقع التعليم العربي ومخرجاته يحفزان الكثير لتبني القيم الخرافية والفكر غير العلمي وغير العقلاني، وليس أدل على ذلك من متابعة خريجي الهندسة والطب والكثير من التخصصات العلمية لهذه البرامج والتقارير سواء في التلفزيون أو على صفحات الجرائد·· هذا الوقاع لابد أن يكون أرضية صالحة لتبني أفكار سياسية ملتبسة وتفسير الأمور والأحداث من خلال نظرية المؤامرة والطروحات الغيبية والتي لايمكن أن تستخدم أدوات التحليل العقلانية والمنطقية·· وإذا توافقت القيم التي جبل عليها خريجو المدارس والجامعات مع ما يطرح في الأجهزة الإعلامية فعلينا أن نتوقع جيلاً من الشباب ممن لا ينتظرمنه عطاء مفيد·

إن من أبرز أوجه القصور في الثقافة العربية المعاصرة هو قلة عدد القراء الذين يتابعون الإصدارات الأدبية والثقافية، وليس مبالغة أن يذكر المرء أن أي إصدار ثقافي جاد في أي من البلاد العربية لا يمكن أن يحظى بأكثر من ألف قارئ، وهو رقم متواضع قياسياً لحجم السكان في العام العربي والذي تجاوز 260 مليون نسمة في السنوات الأخيرة·· وقد كان لانتشار التلفزيون، وأخيراً القنوات الفضائية، تأثيرات عكسية على حال الثقافة في البلدان العربية·· ومن الغريب أن التطورات الإعلامية التي استفادت من النقلة النوعية في الاتصالات وتقنياتها قد زادت من المهتمين بالإصدارات الثقافية في الدول المتقدمة، نجد أن المواطنين العرب يزدادون سطحية واتكالية ولا يهتمون بالبحث العلمي أوالتزود بالثقافة الجادة·· أهم من ذلك أن المثقفين العرب ذاتهم لم يتمكنوا من الاستفادة من ثورة المعلومات وتدفقاتها ليعززوا قدراتهم في التحليل والتقييم·· إننا في بداية القرن الحادي والعشرين وهناك تحولات مهمة في مجالات الإعلام والثقافة في مختلف البلدان، الصناعية منها والنامية، لكن ما نراه أننا أصبحنا نعتمد على منظومة قيم لا تنتمي للعصر وربما تعود لذات الأصول الثقافية التي سادت في عصور الظلام مثل العصور الوسطى في أوروبا·

كيف يمكن أن نوظف قدراتنا الإعلامية المحدودة لتكوين فلسفة إعلامية تعتمد على الحقيقة والفكر العقلاني وتساهم في تطوير الحياة الثقافية في المجتمعات العربية التي تعاني من السكون الفكري والركود الثقافي والأدبي؟ لاشك أن الأمر يتطلب انتهاج سياسات انفتاحية وهذا يستدعي تطوير الأنظمة السياسية ودفعها نحو الديمقراطية بسرعة فائقة لتعوض سنوات طويلة من الاستبداد والقهر والقولبة الفكرية·· ويعني الانفتاح السماح للمؤسسات الخاصة بإقامة أجهزة إعلاميةعلى أسس اقتصادية مثل قنوات التلفزيون ومحطات الإذاعة والصحف ودفعها للمنافسة بحيث تستطيع أن تثبت جدارتها من خلال إقناع المتلقين دون دعم لا يقابله تعويض··ومما لا ريب فيه أن الكثير من المؤسسات الإعلامية القائمة، بفعل ملكية الدولة لها أو دعمها، قد ترهلت ولم تستطع أن تعزز قدراتها لجذب أفضل المهنيين في مجالات الإعلام، كما هو متوافر الآن لدى المؤسسات الإعلامية العالمية مثل الـ CNN أو BBC·· في الوقت ذاته لابد أن تكون هناك جهة إشراف حكومية تتكون من أفضل القيادات الثقافية، ليس للرقابة والحذف والتأثير على التوجهات الإعلامية لأي من هذه المؤسسات، بل للتأكد من توافق هذه البرامج والتقارير التي تبثها أجهزة تلك المؤسسات الإعلامية مع الحقيقة ومع ضرورة تعزيز الحياة الثقافية والبعد عن الدجل والقيم المخادعة والخرافية·

إن دول الخليج العربي يمكنها أن تكون سباقة في هذا التطور وتعمل على تعزيز قيم وفلسفة الحقيقة وتستعين بأفضل القدرات البشرية المتوافرة في الدول المتقدمة من أجل تأسيس صناعة إعلامية قادرة على المساهمة في تنمية المجتمعات في دول الخليج وغيرها من دول عربية· ولا شك أن انتشار صحافة خليجية على مستوى عالمي مثل “الحياة” و”الشرق الأوسط” يؤكد أن هناك قدرات كامنة تستطيع أن تعمل في مجالات الإعلام الأخرى مثل الإذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية·· لكن التنافس الإعلامي بين أجهزة الإعلام يجب أن لا يكون مبرراً لنشر ثقافة الجهل أو التركيز على برامج تدغدغ الأحاسيس دون العقل·· وبقدرمانجحت الصحف التي أشرت إلى بعضها فإن القنوات التلفزيونية مازالت دون المستوى المهني المطلوب وهناك مشوار طويل أمامها لإثبات جدارتها وكسب ثقة المتلقين·· بيد أنه يظل هناك أمل للاستفادة من الدروس الراهنة لتطوير إعلامي يتوافق مع المنطق والحقيقة·

�����
   

سياسة أحمد الخطيب:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
الميكيافليون:
د.مصطفى عباس معرفي
فتح باب إشهار الجمعيات التطوعية:
يحيى الربيعان
تجميد الأموال:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
الإعلام والحقيقة والمنطق!:
عامر ذياب التميمي
بين الحضارة والفوضى:
سعاد المعجل
الشأن العام والشأن الخاص:
د. محمد حسين اليوسفي
أنواع الإرهاب المراد القضاء عليها:
مطر سعيد المطر
دولة الإرهاب:
د. حسن الموسوي
سياسة التكويت إلى أين؟!:
المهندس محمد فهد الظفيري
البصرة·· خرائب وسجون ومقابر جماعية:
حميد المالكي
ملاحظات:
بدر العليم