| لابد أن يلاحظ الزائر لأي من المدن الكبرى في الدول الغربية مشاهد مختلفة عما رآه قبل عشر سنوات أو عشرين سنة إن زار أي من تلك المدن، مثل نيويورك أو لندن أو باريس، أو حتى بعض المدن الإسكندنافية في شمال أوروبا·· إن أهم المتغيرات في تلك المدن هو ما حدث للتركيبة السكانية فبعد أن كانت مدن مقصورة على أو تشمل أغلبية سكانية من البيض أصبحت مدناً تشمل أقليات من مختلف بقاع العالم·· هناك الآن هنود وعرب وأفارقة، وفي مدن أمريكا الشمالية بشر من مختلف بلدان أمريكا الجنوبية أو أمريكا الوسطي أو بلدان البحر الكاريبي·· ومن دون ريب أن هذه التبدلات الديمغرافية تمثل تحولات اقتصادية مهمة حيث تطرد البلدان في مناطق الجنوب سكانها، خصوصاً عناصرها النشطة، في اتجاه الشمال بحثاً وراء الرزق بعد أن عجزت أوضاعها الاقتصادية عن توفير فرص العمل الملائمة لهم·· في ذات الوقت توفر بلدان الشمال الكثير من فرص العمل في مجالات كثيرة، خصوصاً في المهن التي لا يقبل عليها أبناء البلدان الأصليون، أو من هاجر إلى هناك قبل عقود عدة·
وقد نشرت مجلة "نيوزويك" في عددها الصادر بتاريخ الاثنين 6 أغسطس الجاري مقالاً حول مدينة نيويورك والتحولات التي جرت فيها خلال الفترة من 1990 وحتى 2000 حيث إزدادت أعداد اللاتينيين القادمين من أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى، وكذلك أعداد الآسيويين القادمين من الهند وباكستان وبنغلادش واليابان والصين·· وتمثل الزيادات في تلك المدينة الغناء مئات الآلاف لبعض الجنسيات، فمثلاً زاد عدد القادمين من آسيا ليمثلوا نسبة عشرة في المئة من سكان مدينة نيويورك، في حين يمثل اللاتينيون، الآن 27 في المئة من سكانها في حين لم يعد البيض يمثلون أكثر من 35 في المئة، والسود يمثلون 25 في المئة·· هذه التبدلات الديمغرافية لابد أنها غيرت أنماط الحياة في المدينة من حيث عادات الأكل والموسيقى والرقص والعبادات وغيرها من سلوكيات بشرية·· هذه التطورات لابد أن تكون لها جوانب إيجابية، ودون شك أخرى سلبية قد أثرت على حياة السكان القدامى في المدينة·
وإذا أخذنا بعين الاعتبار قوانين وإجراءات الهجرة والتجنيس في البلدان المضيفة فإننا سنجد أن عدداً كبيراً من هؤلاء المهاجرين أصبحوا مواطنين في بلدانهم الجديدة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا، وكذلك في استراليا ونيوزلندا·· هؤلاء المهاجرون رحلوا من بلدانهم الأصلية لأسباب اقتصادية، في معظم الأحوال، أو لأسباب سياسية نظراً للاضطهاد وفقدان الحرية وحقوق التعبير السياسي والثقافي·· كذلك هاجر عدد من رجال الأعمال والمنتمين للطبقات الوسطى مثل المهنيين للبحث عن استقرار لأموالهم وللحصول على مجالات استثمار وعمل تمكنهم من توفير مستقبل أفضل لأسرهم وأبنائهم·· كذلك فإن عدداً من هؤلاء الموسرين ونظراً لخبراتهم العملية وتأهيلهم العلمي يجدون صعوبات للتأقلم مع بيئة العمل في بلدانهم نظراً للتخلف الإداري والاقتصادي· ولذلك فإننا نجد أن البلدان النامية أصبحت طاردة للكفاءات والقدرات المهنية وأصحاب رؤوس الأموال·
وعندما يتصدى المرء بالدراسة والبحث لظاهرة الهجرة فإنه لابد أن يلاحظ الفروقات بين الهجرة إلى دول الشمال وبين تلك التي تمت بين البلدان العربية·· من دون شك أن أهم الهجرات التي تمت خلال النصف الأخير من القرن العشرين هي وفود العمالة العربية وغير العربية، إلى بلدان الخليج العربي على مراحل متعددة·· هناك من هاجر إلى السعودية والكويت خلال الفترة من أواخر الأربعينات إلى أوائل الستينات من القرن العشرين، جرياً وراء الرزق وللاستفادة من فرص العمل التي توفرت في هذين البلدين بعد اكتشاف النفط وافتقارهما للعمالة الوطنية اللازمة في حقول عمل أساسية مثل التعليم والعلاج وقطاعات إدارية ومهنية أخرى· كما أن هناك من هاجر إلى الخليج، بعد نكبة 1948 في حالة الفلسطينيين، وهؤلاء عملوا في هذه البلدان وساهموا في نهضتها المعاصرة وساهموا في بناء مؤسسات فاعلة في مختلف الأنشطة والقطاعات· لكن هؤلاء العرب لم يتمكن سوى أقلية منهم الحصول على جنسيات البلدان الخليجية التي وفدوا إليها·
في الوقت الذي تقوم فيه البلدان الصناعية المتقدمة بوضع شروط تمكن من اكتساب الجنسية، وتفضل هذه الشروط أصحاب رؤوس الأموال والمتعلمين والمهنيين، فإن القدرة على التجنيس في البلدان الخليجية معقدة إلى حد كبير وتعتمد على معايير غير موضوعية في أغلب الأحوال·· وعلى الرغم من ذلك فقد اكتسبت الجنسية في بلدان الخليج أعداد لا بأس بها من العرب، وفي أحيان كثيرة من غير العرب، ممن لا يمكن التعويل عليهم في أعمال التنمية والمساهمة الحضارية·· ومهما يكن من أمر فإن أعداد البشر في بلداننا قد ازدادت بشكل كبير·· فمثلاً كان عدد سكان الكويت في تعداد عام 1957، وهو أول تعداد رسمي يجري في الكويت ما بعد النفط، يساوي 215 ألفاً من المواطنين والوافدين، وكان عدد الكويتيين يساوي 115 ألفاً، الآن وبعد التحرير بعشر سنوات، أو أكثر قليلاً يبلغ عدد السكان ما يقارب 2.2 مليون نسمة منهم 850 ألفاً من الكويتيين· ولابد أن يلاحظ المرء التغير الكبير في الأعداد الشاملة والخاصة بالمواطنين والتي لابد أن تفسرها ظاهرة الهجرة والتجنيس، حيث لا يعقل أن تكون ناتجة عن الزيادات الطبيعية·
إن التطورات الجارية في العالم وبروز العولمة الاقتصادية والتواصل الثقافي والإعلامي ستؤثر على تركيبة السكان في البلدان الصناعية والتي مازالت تمثل جاذبية لبقية البشر في بلدان كثيرة من بلدان العالم الثالث والبلدان ذات الاقتصادات المتحولة مثل روسيا وبلدان أوروبا الشرقية أو جنوب شرق آسيا··وإذا كانت بلدان النفط قد تشبعت بالعمالة الهامشية الوافدة وأصبحت تواجه معضلة التدفقات الكبيرة لسوق العمل من الأبناء المواطنين فهل تستطيع أن تحول أوضاعها الديمغرافية إلى أنماط أكثر استقراراً وتجانساً خلال السنوات المقبلة؟ |