| كيف تتكون الثقافة السياسية في مجتمع ما وكيف تنتج عنها قيم محددة تصبح أسسا للتعامل مع مختلف القضايا التي يواجهها ذلك المجتمع؟ لقد باتت الثقافة السياسية من أهم العوامل التي تؤكد قدرة، أو عدم قدرة، أي من المجتمعات الإنسانية على مواجهة مختلف المعضلات، أو إنجاز تطورات عصرية تمكن ذلك المجتمع من اللحاق بركب الحضارة الإنسانية·· ويمكن أن يزعم المرء بأن الثقافة السياسية في المجتمعات العربية تمثل أهم معوق أمام تطور هذه المجتمعات·· ولا شك أن هذه الثقافة هي نتاج تطورات وتراكمات قد حدثت في مجتمعاتنا العربية على مدى عقود طويلة، وربما قرون، وأصبح من أهم معالمها رفض التغيير، أو على الأقل التوجس منه، وتكريس فكرة مؤامرة الآخر على العرب··· كما أن هذه الثقافة السياسية قد دفعت العرب للإيمان بأن سر تخلفهم وعدم استفادتهم من خيراتهم وثرواتهم، بشكل مفيد، يعود لعدم رغبة الآخرين بذلك·· وما يحدث من ظلم وطغيان وتجاوزات على حقوق الإنسان، يفسره بعض العرب، أو جلهم، بأنه نوع من الحماية ضد المستعمرين الذين يريدون التآمر على المصالح العربية·· ولا شك أن هذه الذهنية تناسب معظم الأنظمة العربية الحاكمة وهي توفر لها غطاء فكريا مريحا·
هل هذه الثقافة قد نتجت عن عوامل معاصرة، بمعنى أنها ترعرعت خلال السنوات الخمسين الماضية ومنذ بداية عهد الاستقلال في البلدان العربية، أم أنها نتيجة تراكمات تاريخية طويلة تفاعلت عناصرها خلال عهود طويلة ومنذ زمن الجاهلية الأولى؟ يمكن القول بأن الاحتمالين واردان، حيث لا يمكن إغفال التأثيرات التاريخية في حياة أي أمة من الأمم، كما أن التطورات الحديثة لا بد أن لعبت دوراً أساسيا، وبعيدا عن البحث التاريخي، وهو مهم، ذلك يجب أن يتصدى له المؤرخون، فإن الأحداث المعاصرة التي مرت بها الأمة العربية شكلت مقومات للثقافة السياسية الراهنة· كيف يمكن أن نغفل أحداث الاستيطان الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل، ثم بعد ذلك الانقلابات التي أنجزها العسكر ضد السلطات التقليدية، وطغيان الأنظمة الديكتاتورية وأنظمة الحزب الواحد؟ أي أن هذه الحوادث والأحداث دفعت المجتمعات العربية للمعاناة من الأنظمة الديكتاتورية واستبداد الفكر الشمولي وتسلط فلسفة لا صوت يعلو على صوت المعركة، وأهم من كل ذلك الغياب الفعلي للممارسة الديمقراطية والحرية الفكرية والثقافية·
إن من الأمور المحزنة في الواقع العربي أن فلسفة المعارضة، خلال العقود الخمسة الماضية، لم تكن مبنية على إنجاز تحولات مجتمعية وسياسية تؤدي الى تفعيل حياة سياسية مرتكزة على القيم الديمقراطية ومبادئ الحرية، بل إنها اتكأت على استبدال فلسفة فكرية وسياسية بأخرى تناقضها وتلغيها نهائيا·· ويمكن أن نستدل على ذلك من الصراعات التي دارت بين المنظمات الحزبية في أكثر من بلد عربي، حيث إن كل جهة سياسية تجرم الأخرى أو تكفرها وتحاول جذب أطراف واسعة من المجتمعات العربية لجانبها·· من هذه الأمثلة صراعات القوميين مع اليساريين في العراق وسورية وغيرها، وهي صراعات لم تكن تحتكم لأرضية ديمقراطية بل هي صراعات البقاء أو الفناء، أو في أحسن الأحوال الإلغاء، وهي لا يمكن أن تكون مختلفة عن صراعات القبائل والعشائر المتسمة بالثأرية والانتقام· وقد أضاعت هذه الصراعات وقتا ثمينا على الشعوب العربية وعطلت قدرتها على تطوير الواقع السياسي وإنجاز التنمية الاقتصادية واللحاق بالمسار الحضاري الإنساني·· ودون ريب أن تلك الصراعات أوجدت بيئة مؤاتية لانتصار الديكتاتورية في أكثر من بلد عربي وهيمنة الفكر الذي لا يقبل بالرأي الآخر، أو يستوعب الخلاف·
ثم برزت خلال السنوات الأخيرة صراعات جديدة أدت الى شلل في الحياة السياسية العربية، وهي صراعات الاتجاهات الإسلامية مع بقية الأطراف السياسية، وهي أيضا صراعات تهدف لإلغاء ونفي الآخرين· عانت الجزائر، ولا تزال، ومصر وسورية والأردن وفلسطين واليمن، والى حد ما الكويت، من هذه الصراعات والاختلافات وتعطلت فرص التحول الأصيل نحو الديمقراطية·· كل ما سبق ذكره يؤكد تأصل القيم الشمولية في الوجدان العربي وعدم القدرة على التسامح ومواجهة قيم أخرى تختلف عما جبل عليه البعض منا·· ومما يعطل التحرر من هذه المنظومة الفكرية هو استمرار قطاعات واسعة من المجتمعات العربية بالاعتماد على زعماء أفرادا أو مفكرين أفذاذ، كما يزعمون، والسير وراءهم دون تمحيص لآرائهم ومعتقداتهم ومدى تناسبها مع مصالح الشعوب أو مستجدات الحياة الإنسانية·· وربما يعود ذلك الى أن طبيعة الاقتصادات العربية والتي لم تساعد على تكوين الشخصية الخلاقة ذات الذهن المتوقد والقادر على المبادرة، ومن ثم فهو يستسهل الانقياد والتبعية للآخرين·· إن هذه الاقتصادات الريعية يجب أن تكون مسؤولة عن تكوين جينات ثقافية تعطل الفكر الحر القادر على الإبداع·
إن هذا الواقع الثقافي لا يعني عدم القدرة على تجاوز معوقاته، فلا بد أن تكون هناك وسائل وإمكانات للإصلاح·· يجب أن ندفع المثقفين لمواكبة الحضارة والثقافة الإنساني وتمكينهم من المتابعة·· كذلك تبرز فرص جادة لتطوير التعليم عن طريق الاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة، ودون جدال فإن إصلاح التعليم في العالم العربي يعتبر من أهم عناصر الإصلاح السياسي وتحديث الثقافة السياسية في أي من المجتمعات العربية· لكن كل ذلك يتطلب وعيا من الإدارات السياسية وإصلاحا للواقع السياسي والاقتصادي، واهتماما من النخب المثقفة·· أهم من كل ما سبق ذكره هو الوعي بأهمية الاستفادة من الآخرين وعدم توجس المؤامرة عند التعامل معهم·· وإذا كانت البشرية تسير نحو خلق حياة إنسانية متجانسة والدفع نحو التواصل بين الشعوب والثقافات المتنوعة فإن على العرب التسلح بالانفتاح والتحرر من براثن الشمولية·
|