| كتب الأستاذ محمود الريماوي، الكاتب الأردني، مقالاً في جريدة "الحياة" عدد يوم الاثنين 2001/2/19 تحت عنوان "رأي غير خليجي في ظاهرة خليجية"، تطرق فيه لمسألة السياسة السكانية في دول الخليج·· ولا شك أن الأوضاع الديمغرافية، أو السكانية، في دول المنطقة كافة، وإن تفاوتت، تمثل معضلة كبيرة أمام المجتمعات الخليجية ومتخذي القرار فيها·· منذ ما ينوف على الخمسين عاماً ومنذ بدأ النفط يشكل عصب الحياة الاقتصادية اضطرت حكومات المنطقة أن تفتح الأبواب أمام الوافدين من كل حدب وصوب ليضطلعوا بمهام التحديث الاقتصادي في بلدان فقيرة مادياً وبشرياً·· ولقد لعب فقر الإدارة في هذه الدول إلى تبني سياسة الاعتماد علي العمالة الوافدة، بعد أن تم تدجين المواطنين ليصبحوا مستهلكين غير منتجين·· ولذلك فإن ما حدث خلال نصف القرن الماضي هو اختلال هام في التركيبة السكانية في كل قطر خليجي، وأدى إلى غلبة الوافدين على المواطنين في معظم البلدان·· الأنكى من ذلك أن شعوب المنطقة والذين كانوا في عصر ما قبل النفط منتجين يعملون في مختلف المهن والحرف أصبحوا يستنكفون العمل في العديد منها، وجعلوا يبتعدون عن العمل الانتاجي والمثمر ليشكلوا طبقة من الموظفين الحكوميين الذين لا يشكل عطاؤهم أي قيمة مضافة تذكر·
لكن ما يجب الانتباه له، وهو ما أغفله الأستاذ محمود الريماوي، هو أن مجتمعات الخليج والمواطنين فيها، خصوصاً الكويت وعمان والإمارات والبحرين، تشكلت من مهاجرين من البلدان الكبيرة المحيطة·· وقد هاجر لهذه البلدان جماعات من نجد في الجزيرة العربية، على مدى عقود وقرون، وكذلك أتى البعض من العراق ناهيك عن من أتوا وتوطنوا من مناطق فارس، وربما جاء قليل من الهند والسند· هؤلاء على مدار العقود والسنين أصبحوا مواطنين أصليين، كما حددت ذلك قوانين التجنس، فمثلاً يحدد قانون الجنسية الكويتي والذي أقر في عام 1959 قبيل الاستقلال أن المواطنين هم من أقاموا في الكويت قبل عام 1921، هؤلاء هم المواطنون الأصليون·· وقد حدد عام 1921 نظراً لبناء السور الثالث في الكويت في ذلك العام لحمايتها من غزوات كانت تأتي من صحراء الجزيرة العربية، وكانت تهدد منظومة القيم الكويتية واستقلال البلاد آنذاك·
أيضاً فإن قوانين الجنسية في بلدان المنطقة وضعت أسساً لتجنيس الذين أقاموا في دول الخليج لمدد معقولة، وقد تم تجنيس الآلاف على أساس مواد القوانين المذكورة· فمثلاً حدد قانون الجنسية في الكويت، قبل التعديل، شروط منح الجنسية للمقيم العربي، وحددت سنة الوفود بعام 1945، ولغير العربي بعام 1930·· لكن ذلك تم تعديله عدداً من المرات، وتم أخيراً تحديد شرط منح الجنسية بالتجنيس بتوفر ما يدل على حصر المقيم في تعداد 1965، وهذا التعديل محاولة لمواجهة مشكلة "البدون" غير محددي الجنسية في الكويت وفرز المستحقين منهم·· وبطبيعة الحال أصبحت مسألة التجنس قضية معقدة في بلدان يكون سكانها الأصليون، أو من تقرر بأن يكونوا أصليون، أقل بكثير من الوافدين للعمل أو لمرافقة العائل·· ولا يمكن أن نقارن أوضاع بلدان الخليج بأوضاع الولايات المتحدة، مثل ما ذكر الكاتب محمود الريماوي، حيث إن الولايات المتحدة تحوي ما يزيد على الـ 290 مليوناً من المواطنين، ومن ثم لا يضيرها تجنيس مليون مقيم ليصبحوا مواطنين·· كذلك فإن معظم من يتجنس هناك ممن يمثل كفاءة تحتاج لها اقتصاديات البلاد· أما في بلدان الخليج فإن معظم الوافدين هم من العمالة الهامشية الذين لن يمثلوا إضافة اقتصادية إيجابية·
لقد حاول عدد من الرواد في بلدان المنطقة أن يطوروا الأوضاع السكانية، منذ بداية السبعينات، وطرحوا أفكاراً نيرة بشأن التجنيس، منها تجنيس الكفاءات العربية، مثل الأطباء والمهندسين والفنيين والمتخصصين في العلوم وعدد من المدرسين والأساتذة في المدارس ومعاهد الدراسات العليا، والذين قضوا وطراً من الزمن في بلدان المنطقة·· وأتذكر، هنا، أن مجلس التخطيط في الكويت، والذي كان يدار من قبل المرحوم أحمد علي الدعيج، اقترحت لجنة السياسية السكانية فيه والتي ترأسها الأستاذ جاسم عبدالعزيز القطامي، اقترحت سيناريوهات عديدة لتجنيس تلك الكفاءات، لكن الأفكار طويت لأسباب غير معروفة، وإن كان أغلبها سياسياً· إن المقصود من التذكير بذلك هو أن نوضح بأن الكثير من أبناء هذه المنطقة يمتلكون رؤية ثاقبة، لكن تفاعلات العمل السياسي، حتى الآن لم تسمح بتطوير استراتيجية تنموية شاملة تحوي حلولاً للأوضاع الديمغرافية المعقدة في بلدان المنطقة·
غني عن البيان أن مسألة السياسة السكانية تتطلب هذه الملاحظات، ولا بد من الإقرار بأنه أمر مفيد أن يذكرنا الإخوة العرب بمشاكلنا ويعرضوا الحلول الواقعية· بيد أن المستويات الحضارية في بلدان العرب، الخليجية وغير الخليجية مازالت لا تتوافق مع الرؤية الإنسانية التقدمية في مسائل التجنيس والإقامة، وهناك بلدان أكثر خبرة وتحضراً من بلدان الخليج، على الأقل في الواقع السياسي والإداري، لا تزال تعاني من قوانين متخلفة ومنها مصر ولبنان وغيرها· ولا بد أن نطور مفاهيمنا لمسألة المواطنة بحيث تكون أوضاع البلدان هي التي تكوّن روح الانتماء لدى المواطنين والمقيمين فيها· هناك بلدان عربية أصبح الخروج منها يمثل فرصة حياة جديدة للكثير من مواطنيها·· وهنا لا بد أن نؤكد بأن بلدان الخليج تمثل الأكثر ارتباطاً بمواطنيها، وإن كانوا يتوقون لتطوير أوضاعها الاجتماعية والسياسية· كما أن المقيمين فيها، من وافدين، أصبحوا يعتبرونها وطناً ثانياً·· |