|
تأتي الانتخابات التشريعية في مصر في شهر أكتوبر المقبل لتطرح تساؤلات مهمة حول المستقبل السياسي لمصر خلال السنوات المقبلة·· وإذا كانت من سمات هذه الانتخابات المقبلة أنها تجري تحت الاشراف التام للنظام القضائي، فهي تتم خلال شهرين نظراً لمحدودية أعداد القضاة، كما تدعي السلطات، فهل يعني ذلك أن هذه الانتخابات ستكون أكثر شفافية مما سبقتها في مصر؟ لا شك أن المجتمع المدني المصري قد تطور بشكل مهم خلال ربع القرن الماضي، ومنذ أن سمح الرئىس الراحل أنور السادات بإقامة المنابر السياسية في عام 1976، ولذلك فإن المطالبات المستمرة بأن تكون الانتخابات نزيهة وشفافة أصبحت تحظى بقبول كبير في المجتمع السياسي المصري·· ولا أدل على حيوية هذه المعطيات المستمرة سوى اعتقال الدكتور سعدالدين إبراهيم الذي جعل من مركزه، مركز ابن خلدون، رأس حربة في الصراع من أجل تأكيد أهمية الشفافية السياسية وضرورة توفير رقابة على الانتخابات المقبلة·· واعتقال الدكتور سعدالدين إبراهيم يعني ان مطالباته أخذت تتلقى القبول في الأوساط المصرية وتجد اهتماماً من المنظمات العالمية المهتمة بحقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية في مختلف البلدان النامية·
وغني عن البيان ان النظام السياسي في مصر اعتمد الحكم الشمولي منذ ثورة 23 يوليو 1952، وهو لم يتغير كثيراً، ولم يسع لتحويل نظام الأحزاب السياسية، الذي اعتمد في عهد الرئيس السادات في أواخر السبعينيات، إلى نظام تعددية سياسية وأساس لتناول ديمقراطي للسلطة· وظلت الأحزاب المعارضة محدودة التأثير ومحدودة التمثيل داخل الأطر المؤسسية مثل مجلس الشعب ومجلس الشورى·· كما ان الترخيص لأي حزب سياسي يمر باجراءات قانونية وبيروقراطية تؤدي في كثير من الأحيان إلى اجهاض فكرة قيام أحزاب جديدة، كما حصل مع عدد من الإسلاميين المعتدلين الذين أرادوا قيام حزب تحت مسمى حزب الوسط· يضاف إلى ما سبق ذكره أن الأحزاب السياسية المعارضة تعاني من دوغمائية فكرية حالت دون تطورها وتمكينها من تقديم برامج انتخابية تتواءم مع الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها مصر، أو أن تكون تلك البرامج عاكسة للتحولات الفكرية الجارية في العالم·· هذا ناهيك عن ان قيادات تلك الأحزاب ظلت مهيمنة، دون تغيير، على مسيرة الأحزاب المذكورة لأمد طويل يكاد يعادل ربع قرن·
من جانب آخر جاء المد الإسلامي المتطرف منذ بداية الثمانينيات ليمنح للسلطة الحاكمة في مصر مبررات كافية لإقامة نظام حكم الطوارئ ويعزز قبضة الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية على الحياة السياسية في البلاد·· ولقد مثلت بعض الحركات الإسلامية المتطرفة خطراً داهماً على النظام لفترة زمنية مهمة في العقدين الماضيين مما أضفى على الإجراءات الأمنية التي اعتمدتها السلطة مشروعية شعبية واضحة·· بطبيعة الحال إن تهديد المصالح الاقتصادية للبلاد والعباد، مثل ضرب المصالح السياحية وقتل السياح، لا يمكن أن توفر مناخاً للحوار العقلاني حول أفضل أساليب المواجهة·· قد يكون هناك من تساءل حول جدوى المعالجة الأمنية دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية أو فقدان الديمقراطية التي قد تتيح مجالاً للتنفيس مما يحول دون انخراط أعداد كبيرة من الشباب في صفوف التنظيمات المتطرفة، بيد ان هذه الطروحات العقلانية لم تجد قبولاً من السلطة وهي تحارب أطرافاً مدججة بالأسلحة، وهي أطراف سعت لاقامة نظام شمولي لا يرحم ولا يمنح أي متنفس لأي طرف يمثل تنوعاً فكرياً مختلفاً·
لكن يمكن القول بأن الأوضاع الأمنية في مصر قد تحسنت كثيراً خلال السنوات الأخيرة مما يسمح بإثارة تساؤلات حول مشروعية بسط سلطة غاشمة على مختلف الأطراف السياسية الفاعلة في المجتمع المصري، لا بد أن هناك تيارات فكرية تتفاوت في اجتهاداتها من اليمين إلى اليسار وترغب أن تطرح رؤيتها بشأن مستقبل مصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهذه التيارات ربما تعتمد الفكر الإسلامي أو الفكر الليبرالي أو المعتقدات اليسارية·· ولا ريب أن جميع هذه التيارات ربما تعتمد الفكر الإسلامي أو الفكر الليبرالي أو المعتقدات اليسارية·· ولا ريب أن جميع هذه التيارات الأساسية تسعى لاقامة حياة سياسية في مصر تعتمد على الديمقراطية وتداول السلطة سلمياً، وهي تهدف لنشر فكرها من خلال الوسائط المشروعة مثل الصحافة والمنتديات والمؤسسات الدستورية·· كذلك توجد تيارات متنوعة قد تنتمي لهذه الأفكار العريضة ولكنها تريد تنظيم صفوفها بشكل مستقل، كأحزاب جديدة، وربما تكون هناك قيادات جديدة وشابة تريد أن تطرح رؤيتها من خلال تنظيمات جديدة مستقلة عن الأحزاب القائمة في الساحة والتي تهيمن عليها قيادات قديمة··· وقد يكون من المفيد أمام النظام السياسي المصري أن يتحرر من القيود ويسمح بقيام هذه المؤسسات السياسية لزيادة فعالية وحيوية المجتمع السياسي في البلاد·
هل ستكون الانتخابات المقبلة انطلاقة نحو التحول باتجاه الديمقراطية الحقيقية في مصر، وهل سيتعزز تمثيل المعارضة في مجلس الشعب، ويكون أساساً لتوسيع رقعتها السياسية في المجتمع المصري؟ لا بد أن السلطة الحاكمة في مصر تملك الاجابات على هذه الأسئلة المحورية، وهي أيضاً تملك قدرة على إحداث هذا التحول أو وأد ذواته·· كما ان الأحزاب المعارضة، والتي همشت وجودها من خلال النزاعات الداخلية، غير الموضوعية، أو نتيجة لهيمنة القيادات التاريخية على مساراتها، هذه الأحزاب تملك أن تؤكد حيويتها من خلال برامج قادرة على جذب الأفراد والجماعات، وخصوصاً صغار السن والنساء والفئات المثقفة، بما يمنحها مشروعية شعبية مناسبة، ودون ريب فإن التطورات التي تبدو ملامحها خلال الربع الأخير من هذا العام في مصر ستكون أساساً للحكم على مجرى الأحداث المقبلة هناك، وربما في بقاع أخرى في عالمنا العربي! |