رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 محرم- 3 صفر 1421هـ - 3-9مايو2000
العدد 1425

مفاهيم عتيقة!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

أحدثت التطورات الجديدة في مسيرة الاقتصاد العالمي ثورة كبيرة في المفاهيم والقيم السياسية في الكثير من البلدان المتطورة والنامية·· ولا شك أن التحولات الفكرية التي حدثت في البلدان المتقدمة لا يمكن إلا أن تكون أعمق وأهم مما حدث في البلدان النامية·· فمثلا كان هناك مصطلح "الاقتصاد السياسي" وكان يعتبر علما مهماً من العلوم الاجتماعية، بل أن علوم السياسة والاقتصاد كانت تدمج وتدرس في كلية نظرية واحدة في الكثير من الجامعات، لكن علم الاقتصاد الآن يعتمد على حقائق أمبريقية تعتمد على الرياضيات والإحصاء وعلوم الكمبيوتر·· كما أن الاستنتاجات الاقتصادية أخذت تعتمد على بيانات وأرقام، كذلك فإن الافتراضات تعتمد على مؤشرات إحصائية محددة·· ولم يعد علم الاقتصاد يعتمد على افتراضات سياسية، بل إن العمل السياسي يجب أن يقترن بقدرة على تحقيق نتائج اقتصادية واضحة·· وقد أخذ الاقتصاديون يطورون من قدراتهم من خلال تعاملهم مع العلوم الأخرى لاستقراء افتراضاتهم ومدى الإمكانيات لتحقيق النتائج المنشودة منهم·

ويتضح بأن فكرة الاقتصاد السياسي هدفت إلى تسييس الاقتصاد لأغراض فكرية محددة، ولم تعد هذه الفكرة ذات أهمية في العصر الراهن·· وإذا كان عدد من المفكرين قد رأى أن البنية الاقتصادية تهدف إلى خدمة أهداف اجتماعية وسياسية مثل هيمنة الطبقة الرأسمالية على السلطة السياسية أو العكس مثل هيمنة أصحاب الدخول الصغيرة والعمال والفلاحين، فإن الفكر الاقتصادي الحديث يهدف إلى تعزيز قدرة الأنشطة الاقتصادية على توليد الدخل وتحسين مستويات المعيشة لكافة الطبقات دون استثناء·· وعلى عكس المفاهيم القديمة فإن أهداف المجتمعات الحديثة هي دعم قدرة المنتجين، من كافة الفئات الاجتماعية، على الاستهلاك ولم يعد هناك رأسماليون يهدفون إلى إفقار الطبقات العاملة لأن ذلك يتناقض مع مصالحهم الاقتصادية·· قد لا تكون المجتمعات الرأسمالية قد تحررت من جيوب الفقر تماما، ولكن هذه المجتمعات أصبحت تهتم بتطوير القدرات الشرائية وتحسين نوعية الحياة للفئات المهمشة فيها، وأصبح نضال السياسيين ومعاركهم تدور حول كيفية تعزيز علاقاتهم مع هذه الفئات التي تشمل كبار السن والأقليات والنساء والأطفال· لقد بات على المفكرين أن يستوعبوا هذه المعتقدات الجديدة ويسعوا لصياغة رؤية جديدة للعلاقات الاجتماعية في ظل الاقتصاديات الجديدة·

إن من المؤكد أن الأحزاب الأساسية في الدول الديمقراطية المتقدمة قد استوعبت هذه التحولات الفكرية وهضمتها وطورت من برامجها بما يعكس التغيرات المذكورة·· وها نحن نرى كيف أن أحزاب مثل حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الايطالي قد تغيرت وأصبحت تعتمد فكرا اقتصاديا يختلف عن ما كان يؤمن به الرعيل الأول من قادة هذه الأحزاب خلال العقود السابقة من هذا القرن·· لكن يجب الإقرار بأن قادة هذه الأحزاب القدامى قد مهدوا الأرض لهذه التحولات الجديدة، عندما عززوا الفكر الديمقراطي ضمن أحزابهم ونشروا فكر التعايش والتحول السلمي·· وإذا كان الفكر الاشتراكي قد حفز المؤسسات الرأسمالية وأنظمة الحكم في البلدان الديمقراطية لتطوير قيم التكافل الاجتماعي وأوجد الآليات المناسبة للرعاية الاجتماعية والصحية، فإن الفكر الرأسمالي قد تمكن من تطوير قيم جديدة دعمت قدرات النظام والأدوات الاقتصادية الرأسمالية·· وأصبحت هذه الأدوات الأقدر على توسيع الانتاج السلعي والخدمي وزيادة فرص العمل بما يمكن من زيادة الناتج الإجمالي وتحسين مداخيل الطبقات الاجتماعية المختلفة· لكن هل انتقلت هذه القيم والمفاهيم الجديدة إلى البلدان النامية وغزت عقول الطبقات المثقفة وقادة المجتمع السياسي بما يمكن من تحقيق تواصل مع ما يحدث في الدول المتقدمة؟ دون ريب هناك تفاوت كبير ولا تزال العقول متحجرة لدرجة كبيرة·· ولا يزال المفكرون الاقتصاديون في البلدان النامية يفسرون الأمور من منظور المؤامرة ومحاولات الآخرين للهيمنة على المقدرات الاقتصادية إلى غير ذلك من طروحات مكررة·· وعندما يطرح البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أفكارا أو اقتراحات بشأن إصلاح النظام الاقتصادي في أي من البلدان النامية فإن ذلك، كما يرى هؤلاء المفكرون، نوعا من الهيمنة الاقتصادية والسياسية وانتزاع للإرادة الحرة الوطنية·· كما أن هؤلاء المفكرين يرون أن الاستثمار الأجنبي يمثل حلقة من حلقات الاستعمار الجديدة، ولذلك فإن قدرة  هؤلاء من التأثير على القيادات السياسية يمكن أن ينتج عنه حرمان الكثير من الدول من التدفقات الرأسمالية، وحرمان قدرتها على التوسع في النشاط الاقتصادي، وخلق فرص العمل، ومن ثم عدم التمكن من تحسين الأحوال المعيشية في هذه البلدان·· ولقد حالت القوانين المتشددة والتي وضعت أو لم تعدل، بتأثير هذا الفكر الجائر، دون قدوم الأموال إلى البلدان النامية، وتشهد على ذلك الاحصاءات الدولية خلال السنوات الماضية بشأن توظيفات الاستثمار المباشر·· لا بل إن الأموال الوطنية رحلت عن بلدانها واستقرت في البلدان الصناعية·

وإذا كانت أفكار العولمة الاقتصادية قد تعززت خلال السنوات القليلة الماضية إلا أن الهجوم المستمر، وخصوصا في البلدان العربية، على هذه الأفكار قد لا ينتج عنه سوى استمرار الأحوال الاقتصادية المتعثرة·· ولا شك أن المؤسسات المالية والشركات الكبرى لن تكون مضطرة لتوظيف أموالها وتقنياتها في بلدان ترفضها أو تضع العراقيل أمامها·· وإذا كان هناك من الاقتصاديين من يعتقد بإمكانات تحقيق التنمية الوطنية المستقلة في هذا العصر، فإن القيادات السياسية التي ستأخذ بأفكاره سوف تدفع ثمنا غاليا يتمثل في تخلف أوضاع بلدانها الاقتصادية وإذا كانت الصين وهي التي ما زالت تؤمن، نظريا، بقيم الماركسية اللينينية قد فتحت الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي، وهي تسعى للدخول في منظمة التجارة الدولية، وهي تجاهد لتعديل أوضاعها حتى تتمكن من الحصول على تلك العضوية الغالية، فلماذا تراهن بلدان أخرى، أقل أهمية اقتصاديا، على مواجهة النظام الاقتصادي الجديد ومحاربة التعامل مع المستثمرين الأجانب أو الانفتاح على الآخرين؟ هل من تفسير لدى مفكري الاقتصاد السياسي؟

�����
   

استقالة اللجنة القضائية:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
التطبيع.. وأمن إسرائيل:
يحيى الربيعان
مفاهيم عتيقة!:
عامر ذياب التميمي
الجسارة والجلد والإبداع:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
الحوار همسا!!:
سعاد المعجل
عزيزة الوطن:
أنور الرشيد
اغتصاب العقل... نفكر عنك..!:
د· بدر نادر الخضري
تريدون جيشاً... أم لا؟:
مطر سعيد المطر
سعد البزاز... صادق أم كاذب؟:
يوسف محمد البداح
التأهيل الاجتماعي والنفسي في مجتمعاتنا:
فوزية أبل