| هل يمكن أن يستوعب العرب استحقاقات العولمة؟ لا بد أن يكون هذا السؤال من أهم الأسئلة خلال العقد القادم، حيث إن تطورات أساسية ستحدث في الحياة السياسية الدولية والاقتصاد العالمي وسوف تفرض نفسها على كل دول العالم بما في ذلك الدول العربية التي تحاول أن تتفادى الاستحقاقات الجادة للعولمة·· وإذا كان المفكرون العرب ما زالوا يرون الأمور من وجهة نظر أيديولوجية، سواء كانوا إسلاميي الفكر والتوجه أو قوميين أو اشتراكيين، فسيتم تجاوزهم وتهميش تأثيرهم·· إن العالم اليوم قد قرر نظما وقوانين وقيما لا تتوافق إطلاقا مع ما كان معتمدا قبل سنوات قليلة، ولذلك فإن من يرد الاستمرار في الاستفادة من خيرات وخبرات الإنسانية فعليه أن يتكيف، وبشكل إيجابي، مع هذه الطروحات المستجدة وأن يقبل بها كتطورات حميدة·· لكن المعضلة الأساسية التي تواجه العرب هي تلك المواقف العربية التي تثير ضجة وصراخا وعويلا على التراث والقيم والمهددة من العولمة·· كما أن هناك من يرى أن ما سيحدث سيكون نهبا لثروات الأمة العربية، وكأن الاقتصاد العالمي لن يتمكن من الحياة دون خيرات الأمة العربية·
إن من أهم ما برز خلال السنوات القليلة الماضية من ظواهر العولمة هو قيام منظمة التجارة الدولية التي حددت شروط وأنظمة الالتحاق بها ووسائل التكيف مع هذه الشروط والأنظمة·· وكما هو معلوم أن هذه المنظمة قامت بعد جولات طويلة بين الدول الرئيسية في العالم، وأعني بذلك الدول الصناعية الكبرى وهي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان، وتوصلت بعد مرور عدة عقود منذ التوقيع على اتفاقية الجات الأولى في عام 1947 الى اتفاقية جديدة نظمت قيام تلك المنظمة· وتهتم منظمة التجارة الدولية بتطوير أنظمة التجارة والاستثمار··· ولا شك أن هناك أشواطا لا بد أن تقطع في المفاوضات لكي يتم التوصل الى معالجات لقضايا عديدة مثل مسألة دعم القطاع الزراعي في الدول الرئيسية، ومسألة العمالة وحقوقها وشروط الاستخدام، وقضايا الدعم لقطاعات اقتصادية كثيرة في الدول الصناعية والدول النامية·
لكن في نهاية المطاف ستتمكن هذه الدول، مهما بدت الخلافات صاخبة بينها، الى اتفاقات تمهد لنشوء نظام تجارة سلس يمكن من تدفق السلع والخدمات دون قيود وطنية تذكر·· كذلك سيمكن من تحرير أنظمة وقوانين توظيف أو استثمار الأموال بما يعزز من الاستفادة من الثروات المالية في العالم في مختلف البلدان· ولا شك أن هذه التطورات سوف تزيد من القدرة على تحسين الناتج المحلي في الكثير من البلدان بما في ذلك البلدان العربية، إذا وفقت هذه البلدان في تطوير إمكاناتها لجذب الأموال وتحسين قدراتها على التصدير·· كما أن الدول العربية لا بد أن تستفيد من خلال عضويتها في منظمة التجارة الدولية من أجل تحسين شروط تجارتها النفطية وتجارة المنتجات البتروكيماوية وغيرها من تجارة في سلع ومواد تتميز نسبيا بها، لكن، مقابل ذلك، لا بد أن تضع الدول العربية حدا للدعم وللتعويم اللذين اعتادت أن توفرهما للكثير من القطاعات والصناعات والأنشطة التي لا تتمتع بأي ميزات نسبية على الاطلاق·
من جانب آخر يثير بعض مثقفي الأمة العربية مسألة حماية حقوق الملكية الفكرية، وكيف أن اعتماد قوانين حمايتها سوف يرفع تكاليف نقل المعلومات الى البلدان العربية، والتساؤل هنا إذا كان العرب لا يملكون القدرة على إنتاج الفكر والعلم هل يجوز لهم أن يباركوا القرصنة الفكرية التي توفر لهم نتاج العقل الإنساني في بلدان أخرى دون ثمن يذكر؟ وإذا عجزوا عن تزويد الإنسانية بفكر جديد وبعلم متطور فإنهم يمكن أن يستفيدوا من العولمة، في المقابل، لتعزيز تجارتهم بالسلع والمواد التي يتميزون بها ضد الدعم والحمائية في البلدان الصناعية·· وعلى سبيل المثال إنهم يستطيعون أن يطالبوا الأوروبيين وقف دعم المنتجات البتروكيماوية تحرير التجارة بها لكي تتسع رقعة سوق المنتجات العربية دون قيود اقتصادية وسياسية·· علينا أن نتعلم فلسفة الأخذ والعطاء دون أن نعتبر ما يحدث مؤامرة على مصالحنا·
هناك جوانب حميدة للعولمة من أهمها اهتمام العالم بتطوير النظم السياسية لتكون ديمقراطية شكلا ومضمونا، ولعمري أن ذلك يمثل فرصة ذهبية للعرب ليستفيدوا من هذا الاهتمام العالمي ويحرروا بلدانهم من الديكتاتورية وحكم الفرد الواحد والحزب الواحد وحكم العسكر·· كما أن الاهتمام بحقوق الإنسان وحرية الفكر والإبداع ووجود هذا العدد من المنظمات التي تتابع هذه الأمور في مختلف أصقاع العالم سوف يجعل من إمكانيات تحسين الأوضاع السياسية والإنسانية في بلداننا أمرا ملموسا·· هل يستطيع المثقفون العرب أن يستوعبوا الجوانب الإيجابية للعولمة ويطوروا فكرهم لاستيعاب الثقافة الإنسانية الجديدة أم أنهم سيستمرون في عنادهم ومن ثم يتجاوزهم الزمن؟ |