رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 27 شوال-3 ذي القعدة 1410هـ - 2-8فبراير2000
العدد 1413

الفن والثقافة السياسية!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

تمتع المشاهدون العرب بمسلسل "أم كلثوم" خلال أيام شهر رمضان الماضي، وتمكن الجيل الشاب من التعرف على مناحي مهمة من تاريخ الفن المعاصر في مصر، وهي المركز الأساسي للفن والثقافة في العالم العربي·· لكن نقاد كثيرين أثاروا ملاحظات مهمة على المسلسل من أبرزها مسألة موقف كاتب المسلسل "محفوظ عبد الرحمن" من أحداث مصر في فترة حياة أم كلثوم كمطربة، وخصوصا في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وذكر هؤلاء النقاد أن المسلسل تطرق إلى قضايا السياسة خلال تلك الفترة ولم يعالج تطورات الحياة الغنائية لأم كلثوم خلال هذه الفترة المهمة في الحياة الثقافية والفنية في مصر·· ولاشك أن هناك تحيزا واضحا للفكر الناصري برز في حلقات المسلسل، وركز على خلفية موقف الراحلة أم كلثوم من المسائل السياسية التي كانت مثار اهتمام المجتمع المصري آنذاك، لكن الكاتب، من خلال حلقات المسلسل، لم يتطرق إلى حياة أم كلثوم كإنسانة وفنانة لها معاناتها الخاصة ومشاكلها النفسية والإجتماعية·

بطبيعة الحال إن الفترة الناصرية، وعلى الرغم من أنها تمثل فترة حكم شمولي وتفتقر إلى الديمقراطية شهدت إزدهارا مهما في الحياة الثقافية بكل جوانبها حيث ارتقى الغناء وبرز إلى جانب أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش كل من عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة·· كذلك ازدهرت الرواية المصرية بفضل نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي ويوسف إدريس وفتحي غانم وغيرهم·· ولابد أن نشير إلى أن السينما المصرية في ذلك العهد حققت أفضل الإبداعات بفضل صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وبدرخان وكمال الشيخ وغيرهم من المخرجين المبدعين، والذين تمكنوا من الإستفادة من ممثلين عمالقة أغنوا السينما المصرية خلال تلك الحقبة·· وقد تكون تلك الظاهرة غير متوافقة مع النظرية الاجتماعية التقليدية التي تؤكد ضرورة توفير الحريات الديمقراطية من أجل الإبداع الثقافي والفني، لكن الفن والثقافة ازدهرا، أيضا، في الاتحاد السوفياتي في ظل حكم شمولي وجمود عقائدي·

من جانب آخر كان هناك تطرف في تقييم العلاقة بين السياسة والفن في مصر، مثل إدعاء بعض المفكرين المصريين بأن ظاهرة أم كلثوم هي نتاج الديكتاتورية الناصرية وبأنها استثمرت لتخدير الجماهير مثل كرة القدم! ولا شك أن ذلك تحميلا للأمور فوق طاقتها وخارج سياق المنطق·· إن تعلق البشر بفنان أو بطابع غنائي أو سينمائي معين ليس بالضرورة نوعا من الإدمان الذي يؤدي إلى التخدير بل قد يكون تفاعلا اعتياديا مع ذلك النمط الفني، ودون ريب فإن ظاهرة أم كلثوم أو غيرها من ظواهر غنائية أو فنية كانت تستحق الإعجاب والافتتان، ولابد أن نقر أن تلك الظواهر تمثل حالة راقية من الفن إذا ما قورنت بما هو سائد في الساحة الفنية، والغنائية بشكل خاص، في زمننا الراهن·· ولذلك فإن وصم تلك الظواهر بعمليات التخدير السياسية من الأنظمة الشمولية يعتبر تحميل المسائل أكثر من الحقيقة، ولو أن الأنظمة الشمولية لا تتورع عن استخدام جميع الوسائل والأدوات من أجل استمرارها في السلطة·

إن العلاقة بين الفن والثقافة السياسية قضية جرى الحديث عنها والبحث فيها على مدى سنوات القرن العشرين·· ولا يتعلق الأمر فقط بالغناء أو السينما بل يشمل الأدب والشعر والفن التشكيلي وغيرها من أدوات تعبير ثقافية·· وقد كان موقف التيارات اليسارية خلال عقود طويلة أن الثقافة يجب أن تخدم الأهداف السياسية بكافة الوسائل الممكنة، ولا يجوز أن يكون الفن محايدا بعيدا عن هموم المجتمع·· ولا شك أن تلك الرؤية مع أنها تمثل تطلعات سامية وتريد أن تجعل من الفن هادفا إلا أن التطرف في تلك الرؤية قد جعل من إمكانيات الإبداع الذاتية مقيدة إلى حد كبير·· ويجري الآن في مراكز الثقافة في أوروبا بحث تجربة الواقعية الاشتراكية في الثقافة في بلدان الكتلة الاشتراكية سابقا، وكيف كانت النتائج على الواقع الثقافي والإبداع في جميع مجالات الأدب والفن·· وغني عن البيان أن هناك تجاوزات قد حدثت مثل تمجيد القادة وكوادر الأحزاب الحاكمة، وكذلك تفسير الأحداث من خلال أدوات الثقافة والفن لصالح استنتاجات تفيد السلطة الغاشمة في تلك البلدان·

وعند بحث أوضاع الثقافة العربية يجب أن نؤكد بأن الأمور التي تتحكم فيها ليست فقط ذات صلة بالأوضاع السياسية، على الرغم من أهمية تأثيرها، ولكن هناك الأوضاع المجتمعية والتراث الديني والقيمي التي لها بصمات مهمة على الأعمال الثقافية والفنية·· ويجب أن نقتنع بأن الكثير من الأعمال ذات الصلة ستظل رهينة هذه الحقائق المرتبطة بالتراث·· وإذا كانت ظاهرة "أم كلثوم" خلال القرن العشرين تمثل قيمة إبداعية تستحق الإشادة فإن المطلوب هو الارتقاء بالواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي لتحقيق تطور في الغناء والفن والثقافة بشكل عام·· وقد يكون من المفيد أن تدرس مختلف الظواهر الثقافية من خلال أعمال سينمائية وتلفزيونية لكي تستفيد الأجيال الجديدة من الجوانب الإيجابية في تلك الظواهر الإبداعية·

�����
   

الجنسية في الميزان:
د.مصطفى عباس معرفي
أحرار أوروبا وصراعهم مع اليهود:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
عبدالله السالم وأحمد الخطيب:
محمد مساعد الصالح
الرأي الآخر:
يحيى الربيعان
الفن والثقافة السياسية!:
عامر ذياب التميمي
المرأة والسياسة:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
منطق الخليفة "سليمان":
سعاد المعجل
صفات القيادة :
عادل رضـا
ثقافة الهمبورغر:
إسحق الشيخ يعقوب
العراق بين يديك
تصاعد الإرهاب ضد العراقيين في الأردن:
حميد المالكي
ما بين... "لوازو موشون" و... "تاكاجاكي":
فوزية أبل