| هل كتب على العرب أن تكون حياتهم متأزمة على مدى العقود والقرون والدهور، دون أن يتمكنوا من رسم استراتيجية للتحرر من العقد والشمولية··؟
على مدى السنوات التي مرت من أعمارنا كجيل، وعلى قدر ما تعلمنا واستوعبنا عن أحوال أسلافنا في السنوات والعقود التي سبقت ولادتنا خلال هذا القرن لم نتمكن من التعرف على حياة عربية ثقافية اتسمت بالحوار العقلاني ومحاولة الفهم واستنتاج مواقف مبنية على التسامح وقبول الرأي الآخر· وللتدليل على ما أريد إيضاحه فإن سنوات الخمسينيات والستينيات، وبعد ثورة يوليو 1952 خاض المفكرون من الاتجاهات القومية واليسارية صراعا حادا دون التمكن من الاتفاق على أرضية مشتركة للتوافق أو للوصول الى وسائل لمعالجة الخلافات دون اضطهاد الآخر·· ولذلك زج في السجون الآلاف من اليساريين في مصر وسوريا، وتصارع الفكر اليساري مع الفكر القومي على أرض العراق بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، ولم تستطع أية ساحة سياسية عربية أخرى من تفادي هذه الصراعات·
ثم جاء حكم الرئيس الراحل أنور السادات لتبرز على الساحة صراعات جديدة بين أصحاب الفكر الإسلامي والتيارات اليسارية والقومية من جهة أخرى، وتأججت هذه الصراعات لتصبح سمة الحالة الثقافية العربية حتى يومنا هذا· لماذا نضطر الى هذه الصراعات ما دمنا نملك إمكانات ثقافية للتحاور والتواصل؟ ولماذا لا نتفادى إقصاء الآخر؟
لا شك أن المعضلة الأساسية هي غياب الفكر الديمقراطي وقبل ذلك غياب التراث والتقاليد الديمقراطية·· لا يمكن أن نتوقع ممن عاشوا عقودا وسنوات طويلة في ظل أنظمة شمولية وفي مجتمعات لم تقدر قيمة الديمقراطية أن يقبلوا بالحوار السلمي وقبول الفكر الآخر·· ولذلك فإن محنة العرب شديدة وصعبة عندما يكون الحاكم والمحكوم يقتاتان من الفكر الشمولي ويعتمدان مرجعيته·· ولا يمكن أن نتصور تحولا جذريا في القيم المجتمعية دون ممارسة فعلية للديمقراطية لأمد طويل·· وقد ذكر لي أحد الأصدقاء مثلا صارخا عن سلوكيات البشر، فيقول: إن أحد الفرنسيين النبلاء زار بريطانيا في ثلاثينيات هذا القرن وأعجب بالطريقة التي يتعامل معه بها سائق عربته والأسلوب اللبق الذي يتبعه فسأله كم من الوقت تطلب تدريبه ليكون بهذه اللباقة والدراية في معاملة الآخرين، وخصوصا الضيوف، فقال له السائق: إن الأمر استغرق 400 عام·· وتعني هذه الإجابة أن هناك تراثا تراكم على مدى أربعة قرون لتجعل منه ما هو عليه الآن··!
ولذلك فعندما يقرر وزير التربية في الكويت تدريس الديمقراطية وقيم الدستور الكويتي في المدارس الابتدائية يكون قد بدأ من الصفر تأسيس التراث الديمقراطي في الكويت·· من الصحيح القول إن الكويت قد بدأت نظاما دستوريا، ديمقراطيا، منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين، لكن الكويتيين ما زالوا، مثل العرب الآخرين، شموليي التوجه وضيقي الأفق·· وقد دلت الأحداث الأخيرة والجدل الذي دار بين الليبراليين والإسلاميين على مدى النزق الذي ينتاب هذه الأطراف وعدم الاستعداد للحوار الهادئ الممكن إدارته ديمقراطيا·
ولا شك أن أزمة الفكر العربي سوف تستمر ما دامت القدرة على الحوار بين أطراف الساحة السياسية محفوفة بالمخاطر·· كما أن قدرة الشعوب على اختيار ممثليها في السلطة مقيدة الى حد كبير، فليس هناك تداول للسلطة، ولا يمكن للأحزاب الهامشية أن تتوسع شعبيا في ظل الأنظمة القائمة·· ومن المؤكد أن الأحزاب المعارضة، ذاتها، تعاني من طغيان قياداتها، بالرغم من الدور المحدود الذي تلعبه في بلدانها، وهؤلاء يجعلون من عقد المؤتمرات والتحاور مع القواعد أو اختيار قيادات جديدة مسألة ترقى الى الكفر والزندقة، ولذلك يظلون في مواقعهم حتى آخر رمق من حياتهم··· كيف، إذاً، يمكن تطويع الحياة الثقافية باتجاه التحرر من التزمت والقبول بفكر الآخرين والتسامح معهم؟ هذا الواقع الاجتماعي السياسي يشكل عقبة أساسية في تطوير الحياة الثقافية وتحريرها من فكر الأزمة·
ولكي لا يكون المرء متشائما لدرجة سوداوية كئيبة لا بد أن نذكر بعض التطورات المحدودة التي ربما تؤدي الى تأسيس حياة ثقافية تستمد مرجعيتها من الفكر الديمقراطي·· هناك تواصل فرضته التقنيات الحديثة على العرب مع الفكر الإنساني، وكذلك فإن الهجرات الإجبارية لعدد من العرب الى بلدان الغرب قد تؤثر في البعض من هؤلاء، ليكونوا أكثر ليبرالية في فكرهم نظرا لتعاملهم مع الحياة السياسية في بلدان المهجر·· وقد يضطر البعض منهم، بعد كسب الجنسية في هذه البلدان، الدخول في المعترك السياسي والتعامل مع الأحزاب القائمة هناك·· هذه التطورات وهذا التواصل مع المعلومات والإعلام ربما يفرض تحولات في الذهنية العربية تدفع باتجاه قبول التعددية الفكرية والسياسية، وتمكن من تغليب الحوار على الصراع والإقصاء بين أطراف الساحات العربية· |