| أثارت الدعوة إلى عقد دورة استثنائية لمجلس الأمة الكويتي تساؤلات مهمة حول مدى ضرورة انعقاد هذه الدورة في الوقت الذي سينعقد الدور الاعتيادي بعد فترة وجيزة! وأثار الأمر استغراب العديد من المراقبين حيث إن الموضوع الذي تم التحجج به لانعقاد هذه الدورة الاستنثائية هو موضوع رفع قيمة الرسوم على بعض الخدمات والسلع التي تقدم من الحكومة أو مؤسساتها أو الشركات التابعة للقطاع العام·· ولا شك أن المسألة تهم قطاعاً مهماً من المجتمع الكويتي وقد تؤثر في ميزانية العديد من الأفراد، ولكن الأمر لا يتطلب التعجل في بحثها ويمكن الانتظار لعدد من الأسابيع لمواجهة الحكومة حول هذه الرسوم، كما أن الرسوم مهما رفعت فهي لا تمثل تكاليف باهظة على ميزانية الأسرة، حتى للأسر ذات الدخل المحدود، وقد تكون أفضل في تغطية التكاليف التي تنجم عن إنتاج هذه السلع والخدمات· ودون ريب إن الخدمات والسلع الحكومية في بلد مثل الكويت اعتاد على الاقتصاد الريعي مازالت تقدم للمواطنين والمقيمين بأسعار رمزية تكاد تكون مجانية·
لكن ما الذي يدفع ثلاثة وثلاثين نائباً للتوقيع، أو على الأقل الإيحاء بالموافقة، على الدعوة إلى هذا الانعقاد الاستثنائي لمجلس الأمة؟ قد تكون هناك تفسيرات متباينة ولكن البحث عن الشعبوية والخوف من الابتزاز السياسي هما العاملان الأساسيان لهذا العدد من الموافقين، أو شبه الموافقين··· وقد يتحير المرء عندما يرى ضمن قائمة الموافقين نواباً يتوسم فيهم الجدية والرزانة والكفاءة السياسية، فما التبريرات لانجرارهم إلى هذا الموقف؟ هناك من يقول إن المعارضة السياسية في الكويت لم تتحرر، حتى اليوم، من عقد الماضي التليد عندما كان كل معارض وطني يهتم بالقضايا الأساسية والحيوية والمركزية لهذا الوطن، كما أن المواقف الحكومية المتعاقبة لم تكن تريح غالبية المواطنين الكويتيين، ومن ثم تكون استقطاباً بين المواقف الحكومية والمعارضة·· لكن هل يجب أن تستمر الأمور على هذه الشاكلة أم أن المسألة تتطلب إعادة تقييم لهذه المواقف لاكتشاف أرضية جديدة للعمل الوطني وتحديد الاتفاق والاختلاف مع السلطة أو الحكومة؟
وقد تكون هناك قضايا وطنية مازالت غير محسومة بشأن التصرف الحكومي تجاهها، ومن هذه القضايا مسائل المال العام ومحاسبة المتعدين عليه، وكذلك مسائل القانون والنظام وطريقة التطبيق للقوانين والأنظمة، وهناك مسائل الهدر في الإنفاق العام وعدم المقدرة على الحد منه·· هذه قضايا تستحق العناية والمتابعة من النواب الأفاضل، ولكن مقابل ذلك يجب أيضاً السعي إلى ترشيد السلوكيات المجتمعية من خلال إجراءات حاسمة تضع حداً للهدر في استخدام الخدمات والسلع المنتجة من قبل الحكومة ومؤسسات القطاع العام، ولا يجوز الاكتفاء بالقول إن الهدر يجب أن يوقف قبل ترشيد الاستهلاك من قبل المواطنين والمقيمين·· ولا شك أن هناك ضرورة، أيضاً، لإعادة النظر في الهيكل الاقتصادي لمواجهة متطلبات الترشيد والحد من الإسراف ومراجعة الأوضاع المالية للدولة·
وقد يتوهم عدد من النواب أن المواطنين راضون عن أدائهم في مناكفة الحكومة بشأن الرسوم على الخدمات، بيد أن قراءة بسيطة لنبض الشارع السياسي تؤكد أن العديد من المواطنين لا يرون ضيراً من إعادة النظر في هذه الرسوم ما دامت لا تؤثر في مستوى معيشة ذوي الدخل المحدود بشكل غير منطقي··فمثلاً إذا كانت رسوم الكهرباء قد يعاد تشكيلها على ضوء الاستهلاك الحقيقي، وحسب شرائح متفاوتة مثل ما هو مقترح، فإن ذلك لن يضير أصحاب الدخول المتدنية والمتوسطة·· كما أن الإسراف باستخدام الوقود قد لا يحد منه سوى رفع تكلفة ودفع الناس لحساب ما سوف يتحملونه من أعباء مالية لو تم استخدام عرباتهم دون مبرر معقول، أو لو أنهم استخدموا عربات أكثر من حاجاتهم الفعلية في التنقل والترحال·· إن قليلاً من الترشيد قد يفيد في اكتشاف الوفر الذي يمكن تحقيقه في إنتاج هذه السلع والخدمات، ويبين مدى كفاءة البشر في قياس تكاليف تصرفاتهم الاستهلاكية·
وقد لا تكون هذه الإجراءات الحكومية كافية للحد من الهدر والإسراف في الإنفاق والاستهلاك، لكنها ربما تمثل بداية مناسبة لمواجهة متطلبات بناء مجتمع عصري يتحمل مسؤولياته المدنية·· كما أنه من المحتمل ألا تترشد السلوكيات الحكومية والمجتمعية إلا من خلال برنامج إعادة هيكلة وتصحيح للأوضاع الاقتصادية في الكويت بطول ملكية المرافق والخدمات العامة في البلاد، وبما يعزز ملكية القطاع الخاص لهذه المرافق خلال السنوات القادمة·· عندئذ يمكن وضع الأمور في نصابها وتتضح التكاليف الفعلية والتسعير المناسب لهذه الخدمات، ولا يمكن أن يتم ذلك دون توفير منافسة حقيقية لكافة المقتدرين على إنتاج هذه السلع والخدمات·· وربما يأتي اليوم الذي تتحرر فيه الحكومة من أعباء هذه المرافق والخدمات وتكون الأسعار المطلوبة من المستهلكين معقولة وفي متناول قدراتهم!! |