| أحدثت تطورات الاقتصاد العالمي وتجديدات التكنولوجيا والإعلام في زمننا الراهن زلزالا في منظومة القيم الثقافية في الكثير من المجتمعات الحديثة والنامية·· وما يهمني عند الحديث عن هذه المسألة هو ردود الفعل في العالم العربي على هذه المستجدات الثقافية·· وتطرح الأفكار، أحيانا، من خلال المقالات أو الندوات، وفي بعض الأحيان من خلال كتب، قد لا تكون ذات أهمية علمية في هذا السياق·· ومن الملاحظ أن تلك الأفكار تنصب على أن التطورات المعاصرة في المجالات الآنف ذكرها هي في حقيقتها، كما يقول أصحاب تلك الأفكار، جاءت لمحاربة القيم العربية والإسلامية، ولاستعباد العقل العربي ومن ثم تسخير الاقتصادات العربية لصالح الاستعمار والامبريالية·· ولا شك أن هذه الاستنتاجات قد لا تنتمي إلى الحقيقة بصلة، وهي، في أحسن الأحوال، تمثل تقييما مستعجلا وربما ساذجا·
وعندما تطرح ملاحظات حول اتفاقات الغات وشروط منظمة التجارة الدولية حول الحقوق الفكرية للمؤلف وأهمية احترام شروط النشر في اللغات الأخرى، أي لا تترجم المؤلفات إلا بعد أخذ إذن أصحاب الشأن من مؤلفين وناشرين·· يذكر بعض مثقفي العرب أن هذا الشرط جاء لزيادة تجهيل العرب وحرمانهم من الاستفادة من الجديد في الثقافة والأدب والعلم·· لكن إذا نشرت هذه المؤلفات وأصبحت في متناول جمهور القراء العرب فإنك ستجد من يدعي أن هذه المؤلفات جاءت لتحطيم القيم والتقاليد والأخلاق العربية·· كيف تستقيم الأمور في ظل هذه الأفكار المتضاربة والمشوشة؟ أم أن الأمر لا يعدو محاولات وجهود لتشويه الانفتاح على الحضارات الإنسانية الأخرى؟
ولا بد من الإقرار بأن المثقفين العرب، أو عددا لا بأس به منهم، قد أصبحوا ضحايا الفكر السلبي المعادي للتوجهات الجديدة في العالم المتطور سواء أكان ذلك في مجال الاقتصاد أم السياسة أم الفكر والثقافة والأدب والسينما·· لا شك أن هناك العديد من الأمور التي يجب محاكمتها موضوعيا واستنتاج التأثيرات الإيجابية والسلبية منها وكيف يمكن الاستفادة منها في البلدان العربية، لكن افتراض أن كل ما يأتي من الغرب والعالم الآخر ما هو إلا محاولة لتحطيم الحياة العربية والثقافة العربية والقيم العربية والإسلامية، هذا الافتراض يمثل حالة مرضية يجب الانتباه إليها ومعالجتها·· ليست كل التطورات المعاصرة حميدة أو مفيدة أو مقبولة من قبلنا كمجتمعات عربية، لكن لا بد أن تكون هناك أمور مفيدة في ظل مستجدات متسارعة·
إن من أهم التطورات في مجال الثقافة ما تم إقراره في اتفاقات الغات وضمن شروط عضوية منظمة التجارة الدولية من ضرورة توفير حماية فكرية للمنتجات الثقافية·· وتعني هذه الحماية توفير قيود على الاستنساخ والاقتباس، وتشمل هذه الحماية الكتب والشرائط السينمائية والموسيقية وبرامج الكمبيوتر، والتي كانت عرضة لعمليات القرصنة خلال السنوات القليلة الماضية·· وكما هو معلوم أن منطقة الخليج كانت من أهم المناطق التي استوردت هذه الشرائط المستنسخة بطرق غير قانونية، ولذلك فقد كانت حكومات المنطقة واقعة تحت ضغوط من قبل دول وهيئات لمعالجة هذه الأوضاع من خلال قوانين وتشريعات لردع المخالفين·
أما الأمر المهم الآخر المتعلق بالثقافة فهو ما يتصل بالشروط التي وضعت لصناعة السينما بحيث تتحرر من دعم الدولة، وتصبح عملية الإنتاج خاضعة لشروط السوق·· ولقد أثارت هذه الشروط الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين، قبل العرب، لكنهم تمكنوا من استيعاب الفلسفة من وراء هذه الشروط، وقبلوا بتمديد فترة دعم الدولة لسنوات عدة تنتهي بعد ذلك بالقبول بالشروط الجديدة·· لكن هل جاءت هذه الشروط لمحاربة السينما العربية؟ وهل هذه السينما قادرة على مواجهة السينما الحديثة سواء بالدعم الحكومي أو بدونه؟
إن ما هو مطلوب في ظل الوقائع الجديدة أن نفهم كيف نتكيف مع عالم جديد يعتمد على الكفاءة والفعالية··! |