| جاءت مناقشة المراسيم المالية التي أعدتها اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس الأمة الكويتي خلال الأسبوع الماضي لتؤكد معضلة الخطاب السياسي الكويتي في المرحلة الراهنة من تطور المجتمع·· ولا شك أن هناك الكثير من القضايا التي تؤدي إلى الاستقطاب بين نظام الحكم وبين ما يطلق عليه المعارضة السياسية بكافة تياراتها في الكويت وكذلك الاستقطاب بين القوى والتيارات السياسية ذاتها، سواء كانت قومية أو تقدمية أو ذات توجهات إسلامية تراثية ·· ومن المؤكد أن مختلف القوى والعناصر السياسية في البلاد لم تصل إلى مرحلة من النضج التي تمكن من فهم القضايا على أسس واضحة وتبيان مقدار الاختلاف والاتفاق حول كل قضية أو مسألة، دون تكوين مواقف مسبقة· إن هذه الحالة السياسية تؤكد أن الواقع السياسي الكويتي لا يختلف كثيراً عن أي واقع سياسي عربي، وإن تجاوزت الكويت البلدان العربية الأخرى بدرجة الحرية والممارسة الديمقراطية النسبية·
دون ريب إن هناك عناصر في المجتمع السياسي الكويتي ترى أنها يجب أن تقف موقف الشك من كل ما تطرحه الحكومة، أو مؤسسة الحكم، ومن ثم فإن من يقبل ببعض هذه الاطروحات الحكومية يصنف تلقائياً من قبل هذه القوى بأنه موال للحكومة أو مستفيد منها·· وبطبيعة الحال مثل هذه الأحكام التعسفية لا يمكن أن تخدم عملية التطور السياسي في البلاد كما أنها لن تؤدي إلى خلق نضوج فكري لدى مختلف التيارات·· فمثلاً القول إن من يوافق على المراسيم الصادرة في فترة حل مجلس الأمة، وهي شهران، لابد أن يكون قد ساهم، بدرجة أو بأخرى، في تنقيح الدستور الصادر في عام 1962، إن هذا القول أو الادعاء، لابد أن يكون متعسفاً وظالماً·· كما أن هذا الموقف لابد أن يؤدي إلى خلق حالة من الخصام بين العديد من العناصر الفاعلة في الحياة السياسية في البلاد·· كما أن هذا التصنيف، وإن كان بدافع الحرص على سلامة الحياة الدستورية، ينم عن موقف لا ديمقراطي···
وعلى أية حال، بعيداً عن الجدال الفقهي الدستوري، فإن العديد من المراسيم الصادرة خلال فترة الحل الدستوري، تمثل تطوراً مهما في النظام التشريعي والقانوني في الكويت·· وليس هناك جدال في أن المرسوم الخاص بتعديل قانون الانتخاب بما يتيح للمرأة الكويتية حق الانتخاب والترشيح للمجالس الاشتراعية والبلدية، يمثل تطوراً مهما في فكر مؤسسة الحكم وبما يجعل الكويت في مصاف الدول المتقدمة في المشاركة الشعبية· ولذلك فإنه حري بأعضاء مجلس الأمة، خصوصاً الديمقراطيين منهم، أن يتعاونوا في هذا الشأن مع الحكومة لإقرار هذا المرسوم من قبل مجلس الأمة·· ومنذ أن صدر هذا المرسوم بقانون، بعد إعلان الرغبة السامية من سمو أمير البلاد في السادس عشر من مايو الماضي، أصبح في حكم العديد من الدول أن الكويت قد تجاوزت التخلف السياسي الذي كرس حرمان المرأة من حقوقها السياسية لأمد يقارب الأربعة عقود من الزمن·
أما المراسيم الأخرى ومنها مراسيم مالية تتعلق بالموازنات وغيرها، فإن هناك الكثير منها التي تتسم بالضرورة والأهمية·· هناك مراسيم قوانين تتعلق بالاستثمار الأجنبي في الكويت أو حق غير الكويتيين في تملك الأوراق المالية المدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية، أو حقوق الملكية الفكرية، هذه المراسيم لا يمكن الجدل حول أهميتها وضرورتها، وكان من المفروض صدورها منذ أمد طويل·· ولا أستطيع أن أفهم كيف يمكن الجدال حول مواضيع هذه المراسيم في الوقت الذي سبقتنا العديد من الدول الخليجية والعربية والنامية في اعتمادها وجعلها قوانين نافذة تحكم المشهد الاقتصادي في تلك البلدان·· وقد تكون نكسة كبرى لو جاء مجلس الأمة ورفض هذه المراسيم بقوانين حيث إن ذلك يعني أن الكويت لم تستوعب حتى الآن أهمية تطوير اقتصادها وتكييف قوانينها بما يتوافق مع متطلبات التفاعل مع الاقتصاد العالمي·
كذلك فإن رفض هذه المراسيم، وإن كان بدفوع شكلية، قد يعني فقدان ثقة رجال الأعمال سواء على الصعيد المحلي أو الأجنبي·
إن الخطاب السياسي في الكويت يجب أن يتلاءم مع ما تفرضه التطورات على الساحة الوطنية والساحة الدولية، حيث لم يعد بالإمكان أخذ مواقف ذات صفة استقطابية لا تتحمل القبول والرفض، بل إن ما هو مطلوب هو تحسس أهمية كل قضية وإمكانية خلق مجال للتوافق قدر الإمكان بين كافة عناصر المجتمع السياسي في البلاد·· ولم يعد من المقبول التصنيف نتيجة للمواقف أو للآراء بل يجب أن يكون هناك مجال للحوار والجدل المبني على قناعات تهدف إلى كسب الآخر وليس إلى استبعاد الآخر·· لقد استبشر الناس خيراً بعد انتخاب مجلس الأمة في الثالث من يوليو الماضي، لكن ما هو مطلوب هو تطوير الكفاءة السياسية بما يخدم برنامج عمل وطني يعزز المشاركة الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي ودعم الحريات وتأكيد أهمية التواصل مع العالم حضارياً··· |