| لا يستطيع المرء أن يتفاءل كثيراً بتطور الحياة الثقافية في العالم العربي في ظل هذه الكوكبة من المثقفين العرب الذين لا هم لهم سوى الترويج لنظرية المؤامرة ومحاولة الإيحاء بأن كل ما يحدث في البلدان العربية ما هو إلا نتاج تخطيط محكم للدوائر الغربية والصهيونية·
وإذا كان لنا أن نصدق هذه الأفكار الجهنمية فإن ذلك يعني أن العرب قد استسلموا لمشيئة القدر ومشيئة الآخرين وسلموا مصيرهم للأمر الواقع، ومن ثم عجزوا عن التصدي لهذه المؤامرات والمخططات· وبدلاً من أن يطرح أولئك المثقفون ما يجب طرحه من ضرورة التصدي لمعضلات الواقع العربي ومآسي المجتمعات العربية وأهمية تجاوز عوامل التخلف من خلال الإبداع والمنهجية الفكرية وبرمجة الإمكانات المادية والبشرية نجد هؤلاء يعزون كل المآسي والمصائب للآخرين ومؤامراتهم·· كيف يمكن أن نكون قادرين على مواجهة التحديات المعاصرة في ظل مثل هذه الذهنيات الملتبسة؟
وقد لا أكون من المطلعين بشكل موفق على تاريخ وتطور الثقافة العربية على مدى القرون والعقود الماضية، لكنني أجزم بأن هذه الحالة الذهنية والثقافية لابد أن عناصرها تراكمت عبر تاريخ ممتد وطويل··· هناك في التاريخ العربي ما يؤكد استمرار المؤامرة في العمل السياسي، بل حتى في الحياة الاجتماعية وداخل العائلات الكبيرة والصغيرة، لكن يمكن تفسير الأحداث بهذا المنطق في كل زمان ومكان وفي كل حالة؟ وهل يعقل أن يقبل المثقفون، الذين يفترض أنهم اطلعوا على تطورات ومستجدات الثقافة العالمية على مدى عقود طويلة من هذا القرن؟، هل يمكن أن يقبلوا بهذه الأطروحات الساذجة من دون تدقيق؟
لقد أضحى لدى العديد من المثقفين العرب، ومنهم كويتيون وخليجيون، بأن قيام النظام العراقي بغزو واحتلال الكويت في أغسطس 1990 ما هو إلا تنفيذ دقيق لمؤامرة أمريكية·· ويستدل هؤلاء على عدة معطيات مثل عدم انذار الولايات المتحدة للعراق بعد حشد قواته على الحدود العراقية الكويتية في يوليو 1990، وعدم تحذير السفيرة الأمريكية في بغداد بعد لقائها مع صدام حسين من مغبة القيام بعمل عسكري ضد الكويت، بل إنها قالت إن الولايات المتحدة لا تتدخل في الخلافات العربية - العربية·· وكأن هذه الأمور تشكل عناصر المؤامرة، ولم يحاول أي من هؤلاء أن يقول إن المؤامرة هي من حبكة النظام العراقي ذاته الذي استطاع أن يخدع أكثر من مسؤول وقائد عربي حاول إيجاد حل للأزمة قبل أن تصبح غزواً واحتلالاً·· وإذا كانت تلك المأساة التي حلت بالعرب في بداية التسعينات من هذا القرن مثالاً واضحاً على عجز العقل العربي عن استيعاب الأسباب الحقيقية لتخلفنا السياسي والفكري فإن المأساة ذاتها هي تعبير واضح عن أزمة ثقافية جادة·
كما هو معلوم إن الحكام الدكتاتوريين يأتون ويذهبون، وربما يخلفون أوضاعاً سياسية واقتصادية صعبة وتكلف الكثير لإصلاحها على المستوى الإنساني والمستوى الاقتصادي، إلا أن استمرار هيمنة الثقافة المستبدة والثقافة غير الديمقراطية هو أصعب التحديات التي تواجه المجتمعات العربية·· وبتقديري المتواضع إنه لولا وجود ثقافة تكرس الاستبداد وتبرر له لما استطاعت دكتاتوريات النصف الثاني من القرن العشرين أن تستمر في السلطة في عدة بلدان عربية لأمد طويل، تجاوز في الكثير من الحالات الثلاثين عاماً·· ومن المؤسف أن الثقافة العربية المستبدة لا تعتمد فقط على الفكر الديني المستبد بل هي أيضاً نتاج وقيم وأفكار عصرية مثل الفكر القومي والفكر الاشتراكي·· ولذلك يصبح الفكر التقدمي، افتراضاً، بمستوى التخلف الفكري الناتج عن قيم تراثية رجعية من حيث الاستبداد ورفض الآخر···
ويكفي أن نتابع أوضاع منتديات ثقافية عربية لنكتشف عمق الاستبداد السائد في هذه المنتديات، ومن ثم نستطيع أن نتفهم الواقع الثقافي المعاصر في مختلف المجتمعات العربية·· ومن هذه المنتديات اتحاد الأدباء العرب، ونقابات الصحافيين في أكثر من بلد عربي مثل مصر وغيرها من بلدان عربية رئيسية·· هؤلاء يرفضون قبول الرأي الآخر، وهم مستعدون للقيام بعمليات اغتيال فكرية لمن يرفض أطروحاتهم أو يطرح معتقدات فكرية مختلفة·· وتتمثل عمليات الاغتيال الفكرية هذه بالتشويه وإلصاق تهم العمالة وغيرها من تهم أخلاقية تشوه الشخصيات ذات الفكر المختلف·· وإذا كان ذلك هو وضع المثقفين فلماذا تخشى الأنظمة من الفكر والثقافة؟ |