| ما إن انتهت عملية فرز نتائج انتخابات يوم السبت الثالث من يوليو حتى اتضحت معالم الخيار السياسي للكويتيين، والتركيبة الخاصة بمجلس الأمة الذي سيشرع للبلاد ويراقب أعمال الحكومة خلال السنوات الأربع المقبلة·· ولا بد أن لاحظ المراقبون أن التوجه العام كان نحو مجلس أكثر فاعلية ونضجا من المجلس الذي تم انتخابه في أكتوبر 1996·· وقد تمكنت القوى السياسية من أن توصل للمجلس عناصر تجمع بين الخبرة والتجديد، مما يجعل من عملية تشكيل الحكومة مهمة ودقيقة وتحتم اختيار مجلس وزراء قادر بكفاءة أعضائه على مواجهة تحديات جدول أعمال الكويت·· وبعيدا عن التحليلات المتسرعة التي تنذر بإمكانات المواجهة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فإن ما هو مطلوب هو تواصل بين السلطتين لإنجاز برنامج إصلاحي شامل يتناول مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية· ودون ريب فإن القيادة السياسية في البلاد تعي أهمية وضرورة وجود إدارة تنفيذية فاعلة لمواكبة خيار الكويتيين في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الكويت·
إن من الأهمية بمكان توافق المجلس والحكومة على ضرورة اعتماد كل التشريعات المهمة المتعلقة بإصلاح الأوضاع الاقتصادية، ومن بينها المراسيم بقوانين التي أقرتها الحكومة خلال الشهرين المنصرمين·· كما أن هناك تشريعات مهمة، مثل التخصيص، تتطلب موافقة سريعة من قبل مجلس الأمة·· ولا شك أن المسائل الاقتصادية تتطلب من مجلس الأمة أن يشكل لجنة متمكنة للشؤون المالية والاقتصادية، وبتقديري هناك عناصر في هذا المجلس الجديد تستحق هذه العضوية في هذه اللجنة، لرفع كفاءة الأداء المتعلق بهذه المسائل·· هناك قضايا اقتصادية مهمة تتعلق بالنفط وإمكانات التعاقد مع شركات نفط عالمية كبرى من أجل زيادة الطاقة الإنتاجية، وكذلك الأمور المتعلقة بتوسيع رقعة المشاركة من قبل القطاع الخاص في فروع القطاع النفطي المختلفة من تكرير وبتروكيماويات وتوزيع محلي، وغير ذلك من أنشطة· هذه القضايا تتطلب توافقا في الرؤية بين الحكومة ومجلس الأمة، إذا أردنا أن نتمكن من تعزيز كفاءة الأنشطة في القطاع النفطي·
وغني عن البيان أن هذا المجلس يؤكد حرص الكويتيين على حماية الأموال العامة وإبعاد عناصر العبث بهذه الأموال الغالية·· لكن لكي تتحقق حماية فعلية للمال العام، يجب أن ندقق في طريقة توظيف واستثمار الأموال العامة بحيث لا نزج بهذه الأموال في مجالات يكون دور القطاع الخاص أكثر جدوى فيها·· ولذلك لا بد من تحرير العديد من الأنشطة من الملكية العامة، وبأسرع وقت ممكن، فلا يجوز أن تظل الدولة تملك مؤسسات تعمل في أنشطة هي بطبيعتها تتطلب المنافسة الحرة، ومن هذه الأنشطة خطوط الطيران والنقل الجماعي العام ومؤسسات خدمية عدة أو الاتصالات الهاتفية وغير ذلك من خدمات· وربما توجد هناك قناعات لدى السياسيين بأهمية تخصيص هذه الخدمات، لكن ما يحول دون تحقيق ذلك اعتبارات سياسية، بطبيعتها شعبوية وغير موضوعية، ولهذا فإنه بات من الضروري تغليب المصالح الاستراتيجية على المصالح الآنية·
بطبيعة الحال هناك قضايا سياسية ملحة تتطلب الإنجاز، ومن أهمها اعتماد المرسوم بقانون لتعديل قانون الانتخابات بما يتيح للنساء الكويتيات الانتخاب والترشيح، والذي جاء بمبادرة من صاحب السمو أمير البلاد·· وبتقديري أن هناك أعضاء يميلون لاعتماد هذا المرسوم ونأمل أن ينجز ذلك دون جدل كبير وفي الوقت المناسب· إن العالم ينظر إلينا ويتوقع الإسراع بإنجاز التشريعات التي تدفع البلاد نحو المزيد من الديمقراطية والمشاركة السياسية لأكبر قاعدة في المجتمع، وإذا تمكنت نساء الكويت من المشاركة في العمل السياسي خلال السنوات المقبلة فإن العمل السياسي سوف يتعزز، ويمكن كل الفئات في المجتمع من طرح بنود جداول أعمالها بقوة·· ولم يعد من المقبول التردد في مسألة حقوق المرأة التي تعتبر مسألة مهمة في حزمة حقوق الإنسان·· ويلحق مسألة حقوق المرأة السياسية قضية "البدون" وكيفية التعامل معها على أسس عصرية وضمن حل شامل ومتكامل يراعي مصالح البلاد والعباد·
إن مجلس الأمة الذي تم انتخابه في بداية هذا الأسبوع يؤكد رغبة الكويتيين بالتغيير وتحقيق الإنجازات، ولذلك لن يكون مقبولا من أعضاء المجلس إضاعة الوقت على مسائل لا ترقى إلى اهتمامات معظم المواطنين، أو لا تكون ذات أهمية لمصالح البلاد··· كما أن المواطنين لن يغفروا لهؤلاء الأعضاء فقدان نصاب جلسات المجلس أو لجانه العاملة وهكذا بات لزاما على السادة الأعضاء بذل العطاء ومنح المجلس حقه في تطوير فعالياته في التشريع والرقابة وإسداء الآراء النيرة للحكومة·· إن تطوير الأداء السياسي في البلاد من خلال النظام الديمقراطي سوف يمكننا من خلق نموذج يحتذى به، وفي ذات الوقت يمكننا من إنجاز مشروع نهضوي· |