| شاء أن يمر "اليوم العالمي لحقوق الإنسان" لهذا العام والمصادف مع ذكرى صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في العاشر من ديسمبر الماضي وأن يحمل معه مغزى بليغا لجملة من القضايا الآنية المتصلة بحقوق الإنسان عربيا وعالميا سواء فيما يتعلق بطريقة الاحتفال باليوم الروتينية الرتيبة عدا بعض الاستثناءات، أو فيما يتعلق بمدى الإيمان الحقيقي الفعلي بمبادئ الإعلان روحا ونصا كاملا وجملة وتفصيلا لدى بعض المحتفلين به من الجماعات السياسية العربية، أو فيما يتعلق بتزامن الذكرى مع بعض القضايا المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في بعض الأقطار العربية أو القضايا السجالية الحاضرة في الجدل الفكري والحقوقي العالمي حول الحاجة الى تطوير حقوق الإنسان على المستويين العربي والعالمي في أحكام العقوبات القضائية الصادرة بحق المجرمين الثابتة إدانتهم وهي تحديدا أحكام "الإعدام"·
فعن الاحتفالات باليوم ما زال يغلب عليها في معظم الدول العربية ومن ضمنها بلادنا، الطابع المهرجاني الخطابي وبخاصة حينما لا يقترن هذا الاحتفال برصيد فعلي ملموس لمكافحة انتهاكات حقوق الإنسان كتسيير فعاليات شعبية وحقوقية مختلفة ضاغطة عبر تبني قضايا حيوية راهنة·
على المستوى الإعلامي الرسمي العربي يكاد يكون المشهد معدوما حتى من الاحتفالات الخطابية الشكلية والتي هي أكثر ما تليق بالإعلام الرسمي العربي لا الجمعيات والمنظمات الحقوقية العربية، ربما الاستثناء الوحيد انفردت به قناة "دريم" المصرية شبه المستقلة حيث تألقت بفتحها واحدا من أكثر ملفات قضايا حقوق الإنسان حساسية ألا وهو قضية "التعذيب" والأحكام الجائرة الباطلة بحق المتهمين "الأبرياء" دع عنك الأحكام الجائرة بحق المتهمين "المدنيين" فقد استضافت هذه القناة كلا من أمين عام المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة وهي من أكثر منظمات حقوق الإنسان العربية مصداقية ومحاميا عمل سابقا في الادعاء العام "العميد حازم" كما استضافت معها شابة مصرية بريئة اسمها حبيبة صدر الحكم عليها بالسجن في قضية ونفذ الحكم وعائلة فلاحية صدرت أحكام متفاوتة بالسجن بحق أفرادها في قضية قتل أحد أبناء المنطقة القاطنين فيها وجميعهم - الفتاة وأفراد العائلة - تعرضوا لتعذيب نفسي وبدني، وهنا جرى حوار جاد صريح حول هذه الانتهاكات، وحول أخطاء القضاء القاتلة في مثل هذه القضايا، وحول عدم حصول المتهمين على أي تعويض عدا إخلاء سبيلهم·
وإذا كانت هذا هي حال المتهمين في قضايا جنائية فلك أن تتخيل حال الكثرة الكاثرة من الأبرياء في القضايا السياسية ليس في مصر وحدها بل في كل الأقطار العربية·
هذه القضية تقودنا مباشرة لمسألة أحكام الإعدام حيث مرت الذكرى مع تجدد الجدل عالميا حول هذه القضية، وكان آخرها معارضة عدد من الدول الأوروبية المتقدمة ديمقراطيا لإصدار حكم الإعدام بحق دكتاتور العراق السابق صدام حسين وهي قضية ستكون محك الوجه الإنساني الجديد للمحاكمة المقبلة·
وإذا ما نحينا قضية هذا المستبد جانبا وإذا كانت تلك هي فداحة الأخطاء بحق المحكومين الأبرياء بالسجن فلنا أن نتخيل كم هي فداحة الأخطاء القضائية القاتلة بمعنى الكلمة بحق المحكومين بالإعدام الأبرياء وما أكثر حالاتهم في عالمنا العربي·
ورغم هذا السجال العالمي حول هذه القضية الإنسانية بالغة الأهمية لاتصالها بأبسط حقوق الإنسان: "حق الحياة"، إلا أننا لا نجد لها أي صدى من التفاعل الإيجابي في دولنا العربية لا على مستوى المنظمات الحقوقية ولا على مستوى القوى السياسية·
أخيرا فإن اللافت من الاحتفال الذي جرى بهذا اليوم أيضا كما في السنوات القليلة السابقة، أن الغالبية الساحقة من قوى الإسلام السياسي العربي وامتداداتها في المنظمات الحقوقية التي تتواجد فيها أو تعد واجهة لها لا تتردد عن الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون أن تتردد في إعلان مخالفتها لبعض بنوده ومبادئه من منطلقات فهمها الجامد للنصوص الدينية لا بل تؤثر الصمت المريب تجاه مواقف وتصريحات الرموز والمشايخ الدينيين الذين يعلنون معارضتهم الصريحة لكل أو بعض بنود ذلك الإعلان·
* كاتب بحريني |