| يناقش الكثير من الكتّاب السياسيين الليبراليين هذه الأيام أسباب عدم نجاح الكثير من المرشحين الليبراليين أو سقوط بعض الرموز الليبرالية في بعض الدوائر الانتخابية· ولكن الملاحظ في الكثير من هذه المناقشات حول هذا الموضوع المهم، هو عدم القدرة على التوصل لشرح دقيق لأسباب أفول نجم العضو الليبرالي من سماء التجربة البرلمانية في الكويت· مع أنّ الفكر الليبرالي، خاصة في الظروف الدولية والسياسية الحالية، يتمتع بفرص كثيرة لتوسيع نطاق نشر أو تقوية مبادئه التي تدعو بالأساس للمساواة بين المواطنين، وتعزيز حقوق الإنسان، والتي تشجّع، بشكل عام، على التطور الإنساني وتنشئة مجتمعات مدنية· نقول مع توفّر الكثير من الظروف الملائمة لانتشار وتقوية الفكر الليبرالي الديموقراطي، يلاحظ المتتبع للساحة الكويتية وهناً أو بالأحرى ندرة أو عدم بروز الاتجاهات الليبرالية بشكل جيد· أنا لا أتفق مطلقا مع الدكتور فارس الوقيان الشمري والذي انتقد في مقالته في جريدة السياسية (انظر العدد 12445) الفكر الليبرالي ووصف الأزمة التي يمر بها بأنّها "سمة أساسية فيه·" أو أن"أزمة الليبرالية في الكويت···أنّ إرادة وفكر وطروحات رموزها ومحازبيها تريدها أسيرة أسطوانة الأوكسجين التي تغذي مساحة العشرة كيلو مترات في مناطق الداخل الكويتي·" نريد أن نوضّح للدكتور الكريم أن الكويت مهما اختلفت الاتجاهات الفكرية أو السياسية، مجتمع واحد فقط، ولا يوجد ما يسمى بالخارج أو الداخل حول هذا الموضوع، فهذا الإصرار على استخدام عبارات الخارج والداخل لا يسمن ولا يغني من جوع و هو نقد لا موضوعي أبدا· ولكن ما أدهشني حقا في نقد الدكتور الشمري أنه مصر على أنّ نقده يتبع ال"منهج الموضوعي" كما ذكر في بداية مقالته· نريد أن نوضّح للدكتور الكريم بأنّه من الصعب وجود نقد موضوعي في أي نقد أو حتّى في أي دراسة علمية ميدانية· فلقد مضت عقود طويلة منذ أن تمّ النقد والتعليق على عدم وجود بحث علمي موضوعي· فمهما يكتب الباحث، سواء في النقد السياسي أو حتى في مجال الأنثروبولوجيا والعلوم الأخرى، فلا توجد "موضوعية" في ذلك· ولكن على كل حال، نحن لا نتفق مع الدكتور الكريم من نواح كثيرة، خاصّة من ناحية نقده السياسي للفكر الليبرالي· فنقده "المحموم" بالعواطف الجيّاشة واحتوائة على الكثير من استخدامات اللغة الجمالية (صور تشبيهية وما إلى ذلك من الأساليب التقليدية المستخدمة في اللغة العربية الكلاسيكية) يتنافى مع ما يصفه بالنقد الموضوعي· الدكتور الشمري يتغاضى عن الكثير من "الحقائق" الموجودة على أرض الواقع· ففي نقده أخذ الفكر الليبرالي المبدأ "تنافسي تصادمي إلغائي" للفكر القبلي، يتغاضى الدكتور الوقيان عن دعم الفكر الليبرالي لمرشحين قبليي المنشأ كالدكتور بن طفلة أو أنّ الدكتور بن طفلة حقق نجاحا غير متوقع على الرغم من أعداد الأصوات التي حصل عليها· على كل حال فما "يمر" به الفكر الليبرالي في الكويت حاليا قد مرّ على حركات تقدمية كثيرة· إنه من الطبيعي و المنطقي قوله "إنّ كل حركة أيديولوجية، أو بالحقيقة أي أيديولوجية مهما كانت مبادئها تمر بمراحل متعددة تتراوح بين التطور للأفضل، "الأزمة" أو الضعف في أطروحتها أو عدم قدرتها على مواكبة التطور التاريخي للمتغيرات السياسية والاجتماعية المحيطة بها"·
الفكر الليبرالي في الكويت يمر حقيقة بمرحلة تشابه الخمول من ناحية التجديد في القيم أو بمرحلة فيها ازدياد لفرص عدم اكتراث الناخب الكويتي بما يطرحه المرشّح الليبرالي من أفكار جيدة جدا تطالب بالإصلاح السياسي، عدم اهتمام الناخب الكويتي بما يطرحه المرشّح أو العضو الليبرالي من أفكار تقدمية، والتي هي في الأصل تدعو إلى إصلاح البرلمان وإلى تعزيز الحريات الشخصية وتدعو كذلك إلى التشجيع على التمسك بالقوانين وما إلى ذلك من أطروحات إيجابية له أسباب كثيرة· ولكن ترجع بعض الأسباب الرئيسية، لعدم استغلال الفكر الليبرالي الكويتي لإيجابيات اجتماعية موجودة في الساحة الكويتية أصلا والتي تدعو بالأساس إلى تعزيز الديموقراطية وليس لإضعافها· فالقبلية التي أصبحت كالشمّاعة لتعليق ضعف أو انحسار الفكر الليبرالي الديموقراطي في الكويت من الممكن أن تصبح من أقوى الركائز للممارسة الديموقراطية في الكويت· لعلّ البعض يدهش من هذا المنحنى غير المتوقع في هذه المناقشة ولكن المدقق في طروحات الفكر القبلي التلقائية في أغلب الأحيان يجد الكثير من المبادئ الديموقراطية والتي في أحيان كثيرة تتفوق على المبادئ الديموقراطية التقليدية في جرأة الطرح وإيجاد الحلول للأزمات السياسة· فعلى سبيل المثال، ينتقد المفكر الليبرالي سيطرة الفكر والمعتقدات القبلية على التجربة البرلمانية في الكويت ويهاجمها بقسوة وينتقد أساسياتها الفكرية من دون أن يلاحظ أو يشير إلى أسباب تفوقها في حصد النجاحات المتوالية في هذا الفترة من تطور التجربة الديموقراطية في الكويت والتي مضى عليها عقود من الزمن· بالطبع فالتفسير السهل والسلبي في أغلب الأحيان لهذه الظاهرة السياسية هو إمّا ربطها بالنعرات القبلية أو تفسيرها على أنّها تنتج من عدم اهتمام الناخب المعني بمبادئ الممارسة الديموقراطية· ولكن المدقق في تفسير هذه الظاهرة، والتي لا نزال نصر بأنّ مبادئها الأساسية ديموقراطية، يكتشف أنّ غالبية، إن لم يكن معظم ناخبي القبيلة شباب كويتي فائق التعليم وعلي دراية كبيرة بحقوقه السياسية ومتطلباته الوطنية، وله القدرة على تمييز الأمور ومناقشتها مناقشة سياسية ديموقراطية راقية· ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أمامنا الآن: لماذا لا يهتم التيار أو الفكر الليبرالي بدراسة الأيديولوجية القبلية؟
لقد ذكرت في مقال سابق (انظر الطليعة العدد 1585) أنّ الدائرة الانتخابية العشرين (الجهراء) تحتوي على خيرة من الشباب الجهراوي المتطلع دائما للرقي والتقدم من ناحية الممارسة الديموقراطية أو الانتخابات البرلمانية، ولكن مع الأسف لا يجد المرء أي ذكر لمساهمات هؤلاء الشباب الجهراويين أو التركيز علي ما يمكن لهؤلاء الشباب تقديمة للتجربة الديموقراطية في الكويت· فليس من المعقول أن يرعى الشاب الجهراوي أو غيره من شباب مناطق الجهراء، المنطقة العاشرة، أو أي منطقة أخرى مشابهة من ناحية الثقافة الأيديولوجية، نقول ليس من المعقول أو المنطقي أن يعير هذا الشباب الكويتي الواعي سياسيا أي اهتمام لأي نقد ليبرالي يتجاهل مؤهلاته الفكرية أو قدرته علي إثراء الفكر الديموقراطي·
نحن نقول بأن هذه المجاميع من خيرة شباب الكويت تتقبل النقد السياسي الواعي والآخذ بالاختلافات الأيديولوجية بين الناخبين، ولكنه لن يهتم مطلقا بأي نقد سياسي لا يحاول فهم الأيديولوجية القبلية أو على الأقل الاعتراف لها بالنجاح في الانتخابات· لابد أن يكون هنالك تواصل مستمر بين ما يطرحه الفكر الليبرالي من أفكار وما يوجد على أرض الواقع، سواء في الفكر القبلي أو غيره من التيارات السياسية الأخرى· فكم من الكتاب السياسيين الليبراليين أعار اهتماما لما تقدمه القبيلة· نحن والكثير من الشباب الكويتي نتفق بأن الفكر القبلي له الكثير من السلبيات، ولكن ما البديل الناجح الذي يقدمه الفكر الليبرالي: يجب أن يكون هناك اهتمام مستمر في دراسة ومناقشة الأسس الأيديولوجية القبلية والاعتراف لها بإنجاز شيء ما، سواء اتفقنا أم لم نتفق في تعريف البعد الديموقراطي لهذا الإنجاز·
kaaljen@taleea.com |