| لولا الميادين بأشجارها ونافوراتها وزهورها المتعددة الألوان الرابضة في قلب بساطها الأخضر المستدير·· ولولا تماثيلها الشامخة لرموز بلدانها العظام منحوتة في أوضاع وأشكال مختلفة بأروع ما تجود به القريحة الإبداعية على أيدي كبار فنانيها المبدعين·· لولا الميادين من دون كل ذلك لصعب تخيل مدى وحشة شوارع مدن العالم الكبرى المحاطة بالأبراج والكتل الخرسانية الصماء من كل حدب وصوب والتي تعجز عن إضفاء هالة على جمال المدن مهما تفتقت عبقرية أكبر مهندسيها في ابتكار أرقى التصاميم المعمارية الحديثة·
تضفي التماثيل بانتصابها في قلب ميادين المدن بريقا جذابا على مشهد شوارعها يشد بافتتان إعجاب الجائلين ولاسيما زائريها للمرة الأولى·· وتتمازج روعة الفنان المبدع مع شموخ الرمز حينما يأتي عمله الفني صادقا معبرا عن تقديره الكبير لهذا الرمز المنحوت منسجما مع ما يحظى به من مكانة متألقة حقيقية في نفوس أوسع الجماهير·
وعلى العكس من ذلك تأتي التماثيل - مهما برع ناحتها في تصوير "الرمز" - صماء موغلة في القبح إذا ما كان الرمز طاغية منبوذا من الشعب وإذا ما كان النحات مجبرا على نحتها أو "مأجوراً" مستعبدا في ملكوت معبده الفني فاقدا حرية الإبداع الفني فيكون بأعماله الفنية هذه "تحت الطلب" عبدا للمال والدكتاتور في آن واحد، وهذا هو بالضبط حال نحاتي تماثيل مجنون العظمة رئيس النظام العراقي السابق "صدام حسين"·
ويزداد مقت الناس الشديد لهذه التماثيل وصاحبها بازدياد هوس وولع الإفراط فيها على نحو ما شاهدناه باندفاع الناس إلى تحطيم العشرات إن لم تكن المئات منها بانهيار النظام·
يحول النحاتون المبدعون ذوو الضمائر البلورية والملكات الإبداعية·· يحولون الرموز المخلدة بأعمالهم إلى أجسام شبه حية تنبض بالحياة وتنساب في ألفة وعذوبة إلى قلوب الناس·· فيما يتحول تمثال الطاغية إلى صنم حقيقي يجسد عبادة الفرد وتمثاله في آن واحد فتضفي هالته السوداء على ظلام الدكتاتورية التي تغرق فيها المدن وحشة على وحشة·
التماثيل بالمعنى الأول تختلف عن الأصنام لأنها لا تنحت طلبا للمال الوفير في حد ذاته ولا لعبادتها وعبادة أصحابها المتسلطين بل بدافع الإحساس الوطني الصادق كنوع من الوفاء والاحتفاء برموز ذاكرة الوطن·
ومع ذلك فإن المسلمين مازالوا منقسمين حول تحرير أو تحليل حتى هذا النوع من "التماثيل" ولولا هذا الانقسام لرأيت المدن العربية كلها وليس بعضها تعجز عن الإيفاء بالحد الأدنى من رموز ذاكرتها الوطنية الذين يستحقون التخليد والاحتفاء بهم تماثيل في ميادينها، ولرأيت مدننا في هذا الجانب أجمل حتى من المدن الأوروبية التي لا تضاهينا في عدد الرموز ولا في عدد النحاتين المبدعين·
ولعل من سخريات التاريخ أن العراق الذي يعد واحدا من أكثر بلدان العالم التي تعج بكنوز التماثيل التاريخية الحضارية تخلو عاصمته وجميع ميادين مدنه تقريبا من تماثيل رموزه العظام القدامى والمعاصرين إلا من التماثيل المسخ لدكتاتوره السابق·
لا بل من المفارقات أن بعض هذه الرموز الإبداعية كالشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري يحتفى به بعمل تمثال على أرض عراقية "كردستان" على أيدي عراقيين غير عرب في حين عاصمة بلاده العربية تخلو من مجرد تمثال نصفي له·
وبالأمس القريب أزاح رئيس الوزراء المصري عاطف عبيد الستار عن ثلاثة تماثيل برونزية في ميادين الجيزة لثلاثة رموز عمالقة من رواد النهضة المصرية: نجيب محفوظ، وطه حسين، وأحمد شوقي، في بلد لا يعجز رئيسه لو شاء أن يملأ ميادين بلاده بتماثيله·
فكم يكبر الوطن وتعظم ميادين مدنه جمالا بتماثيل قمم ورموز حضارته في الماضي والحاضر، وكم يتخلف ويصغر بفعل نزوات طغاته حينما يصرون على ملء الشوارع والميادين بتماثيلهم وحدهم لا غيرها·
* كاتب بحريني |