| تعتبر الطريقة التي تعاملت بها الصحافة ووسائل الإعلام البحرينية مع المتهمين الخمسة في قضية “الخلية الإرهابية” نقلة مهمة غير مسبوقة في تجسيد الشفافية وحرية تعدد الآراء حول موضوع القضية من جميع جوانبها وكل ما ارتبط بها من إجراءات أمنية وقضائية وحقوقية·
ومثلما تشكل هذه الطريقة من التعاطي الحضاري الإنساني نقلة وتحولا ديمقراطيا يسجل لصالح الإعلام البحريني فإنها في ذات الوقت تعد بمثابة امتحان صعب اجتازه المشروع الإصلاحي البحريني·
ويمكننا هنا أن ندرج أبرز معالم وجوانب هذا التحول الشفافي الجديد غير المسبوق سياسيا في البحرين في مثل هذه القضايا الأمنية الحساسة:
أولا: التزام الصحافة المحلية بقدر معقول من الحيادية في متابعتها لوقائع القضية وتطوراتها وابتعادها عن أسلوب التهويل أو الانحياز الفاقع لطرف من أطرافها وهو الأسلوب الذي طالما أخذ عليها·
ثانيا: إتاحة الصحافة المحلية الفرصة لأهالي المعتقلين للتعبير عن آرائهم وانطباعاتهم في التهم الموجهة بحق أبنائهم·
وبالمثل فإنه يحسب للصحافة البحرينية فتح صفحاتها لكتاب الرأي ورموز جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات السياسية وسائر مؤسسات مجتمعنا المدني للتعبير عن آرائهم وملاحظاتهم حول القضية بكل حرية وشفافية·
ثالثا: تفهم الصحافة المحلية بصدر رحب لانتقادات ممثلي الرأي العام من الرموز القانونيين والسياسيين ومؤسسات حقوق الإنسان لنشرها صور المتهمين وأسماءهم الكاملة وامتناعها لاحقا عن تكرار الخطأ·
رابعا: توخي أقصى درجات الحذر الذي أبدته الجهات الأمنية والرسمية البحرينية من اتهام المعتقلين بالارتباط بجهات خارجية أو التخابر معها وتعهدها بعدم تسليمهم الى أي جهات أجنبية·
خامسا: حرص نواب البرلمان البحريني على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية على الاطمئنان بأن إجراءات الاعتقال والتوقيف والتحقيق مرعية وتنسجم مع الحقوق الدستورية والمدنية والإنسانية للمتهمين وهو الحرص نفسه الذي أبداه ممثلو منظمات حقوق الإنسان في البلاد على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية·
سادسا: إتاحة السلطات الأمنية المعنية لأهالي المعتقلين وبعض ممثلي جمعيات حقوق الإنسان الفرصة للالتقاء ببعض المعتقلين للاطمئنان على أوضاعهم وتأكيد هذه الجهات الأهلية والحقوقية أن أوضاعهم الصحية والسكنية والغذائية مطمئنة وترقى الى المستوى المعقول، وكذلك تأكيد محاميي المتهمين على عدم تعرض موكليهم لأي نوع من التعذيب الجسدي أو النفسي، وتأكيدهم أيضا وجود إذن من النيابة العامة لتفتيش منازلهم، وأن إجراءات القبض والاعتقال والتحقيق سليمة وقانونية·
وفي هذا الصدد قال المحامي البحريني البارز عبدالله هاشم: “ما نشر عن تعذيب المتهمين كلام عار عن الصحة·· والنيابة العامة وأجهزة الضبط تمارس إجراءات التحقيق وفقا لأعلى درجات التقيد بالقانون وضمن تصريحات وأوامر النيابة العامة”· والحال أن شبابنا العربي الذين يقعون في براثن مثل هذه الأفكار التي تتسم بالغلو والتطرف والعدمية هم ضحايا مجتمعات عربية مأزومة محتقنة في ظل أنظمة معظمها استبدادية شمولية، وفي مثل هذه التربة الخصبة تعشش تلك الأفكار الإرهابية ويعزز من انتشارها احتدام أزمة القضية القومية ذات البعد الديني من دون حل وبخاصة مع تفاقم الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني الأعزل المتروك وحده فريسة بين أنياب شارون أمام تفرج معظم الأنظمة العربية بل تواطؤ بعضها وخنوعها وتعاونها مع حليفة عدوهم أمريكا التي تمده بكل أشكال الدعم غير المحدود سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتبرر كل جرائمه وتجهض أي محاولة دولية - مهما كانت ناعمة - لردعه·
في مثل هذه التربة والأجواء لتلك المجتمعات العربية المأزومة المحتقنة على كل الأصعدة تترعرع الأفكار الإرهابية ويسهل جدا على العدميين الكبار من أصحاب الفكر المتطرف اصطياد مجاميع وفئات من الشباب الغر المحبط اليائس من حال الأمة أنظمة وحركات وقوى معارضة سلمية مشروعة على حد سواء·
بمعنى آخر فإن تنامي الأفكار والحركات المتطرفة أيا كانت أيديولوجيتها السياسية الصاعدة - وهي في هذه المرحلة الدينية تحديدا - هو انعكاس أمين لفشل الأنظمة السياسية العربية وتفاقم أزماتها الداخلية وغياب المساواة الاجتماعية من جهة ولعجز التيارات والحركات السياسية المعارضة الواقعية والمعتدلة عن استقطاب تلك المجاميع من جهة أخرى·
إن كل التيارات السياسية الرئيسية الفاعلة على الساحة العربية تحمل في طياتها بذورا وجذورا للاعتدال والواقعية فكريا، إذا ما تم استغلالها بتفعيلها وتحويلها الى برامج فاعلة وواقعية منسجمة مع ظروفنا الخاصة لكن هذه التيارات والحركات العربية مطالبة في المقابل بعدم محاباة أصحاب الأفكار المتطرفة أو من يقعون في قضايا أمنية تثبت إدانتهم قضائيا وفق أحكام موضوعية ونزيهة·
وبالمثل فإنه يتوجب على السلطات العربية عدم فتح المنابر الإعلامية من صحف وفضائيات وإذاعات ومناهج تعليم الى ترويج أفكار الغلو والتطرف كمثل أفكار بن لادن على سبيل المثال لا الحصر·
والحال أن معالجة جذور الإرهاب غير منفصلة عن الحاجة الى مشاريع التغيير الإصلاحية الجادة الحقيقية وبضمنها المساواة في العمق وتعزيز الممارسة الديمقراطية لنزع الاحتقانات المزمنة في المجتمعات العربية ووضع خطط جادة للإصلاح الديني وضمان حق التعددية وحرية التعبير دستوريا وتطبيقيا·· ومن دون هذه الضمانات فإن العلاج الأمني لن يكون كافيا·· وتراوح الأزمنة مكانها!
* كاتب بحريني |