| تنطوي المظاهرات الملايينية العارمة التي انطلقت في الكثير من عواصم ومدن العالم الكبرى وخاصة الأوروبية والأمريكية منددة باندفاع الإدارة الأمريكية المحموم نحو شن حرب على العراق·· تنطوي على دلالات سياسة مهمة: أولا: إن هذه المظاهرات التي جرت على وجه الخصوص في أوروبا هي امتداد لتقاليد ثقافة شعبية وسياسية عريقة في مناهضة الحروب مهما كانت مبرراتها وترسيخ قيم مبادئ السلم العالمي وصيانته بكل الوسائل الممكنة·
وقد تنامت هذه الثقافة السلمية على وجه الخصوص بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما اكتوت الشعوب الأوروبية نفسها بشرور ويلات حربين عالميتين مدمرتين حيث برز الكثير من منظمات السلم الوطنية والإقليمية والدولية والتي لعبت القوى التقدمية والديمقراطية دورا مهما في تشكيلها· وبهذا المعنى فإن الوعي والإيمان الشديدين بأهمية السلم وضرورته لكل الشعوب ولسلام كل البشرية وحضارتها في كل بقاع العالم هما جزء لا يتجزأ من بنية الثقافة الوطنية الديمقراطية العالمية·· وهي بهذا المعنى - المظاهرات المنددة بالحروب - تختلف كليا عن مظاهرات عالمنا العربي حول القضية نفسها، إذ تطغى عليها في الغالب الاعتبارات القومية العاطفية وتتداخل فيها في كثير من الأحيان المآرب والتكتيكات السياسية والحزبية الكامنة، بمعنى آخر إن الهاجس الأول للمظاهرات العربية هو هاجس قومي أو ديني قبل أن يكون هاجسا مبنيا على مقت الحروب ورفضها وإن اندغم هذا مع الهاجس·
ومن النادر أن تنطلق مظاهرات في العالم العربي منددة بحروب في بقاع أخرى من العالم، إن أغلب المشاركين في المظاهرات العربية هم من النخب السياسية العربية وبالتالي فهي في كثير من الأحيان ضئيلة الحجم، علاوة على ذلك فإن هذه المظاهرات العربية هي في الغالب لا تأثير لها على صانع القرار السياسي بخلاف ما في أوروبا·
ثانيا: إنه رغم الانقسام العربي حول الموقف من الغزو العراقي لدولة الكويت صيف 1990 أو حول الموقف من التحالف الدولي العسكري ضد النظام العراقي لإجباره على الخروج من الكويت فإنه لم تخرج أي مظاهرات عالمية كهذه الأخيرة منددة بهجوم التحالف الدولي على العراق حينئذ رغم مالحـــق به من دمـــار هــائل حيث تمـــتع ذلك التحـالف بغطاء شرعي دولي وبتنديد عالمي للعدوان العـراقي على الكويت·
وهنا بالضبط مكمن الفارق بين هجوم 1991 و مشروع الحماقة الأمريكية، فالمظاهرات العالمية بقدر ما هي رفض للحرب المقبلة فهي أيضا رفض لمنطق الغطرسة الأمريكية في الإصرار على الانفراد بتقرير مصائر العالم من دون اعتبار للمجتمع الدولي والمنظمة الدولية·
ثالثا: إن انطلاق واحدة من أكبر المظاهرات في نيويورك بنحو “نصف مليون” يحمل في طياته مغزى مهما كبيرا سواء لجهة تسامي نزعة وثقافة السلم على الجرح الكبير الذي ألم بهذه المدينة في حوادث سبتمبر الإرهابية أم لجهة إيصال رسالة ضمنية للإدارة الأمريكية - وخاصة صقورها العسكريين - برفض استثمار عذاباتهم وجروحهم لتسويغ منطق إشعال الحروب على الشعوب الأخرى المتأتية بذريعة مكافحة “الإرهاب” فهذه المكافحة لها وسائلها الأخرى غير الحروب الهمجية العشوائية·
ومما له مغزاه أيضا أن بعض متظاهري نيويورك هم من ثكالى ضحايا تلك الأحداث السبتمبرية المشؤومة، وهنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه مجددا: إلى متى سيتمسك بعضنا بشيء من تلك الثقافة العنصرية الضحلة التي تختزل تقسيم العالم إلى معسكرين: معسكر المسلمين ومعسكر النصارى واليهود بدلا من الأخذ بشيء من القواسم وقيم التآخي الإنسانية المشتركة مع الشعوب·
رابعا: إن هذه المظاهرات الأوروبية المنددة بالحرب لا تعني بأي حال من الأحوال تأييد الدكتاتورية القائمة في بغداد أو عدم التعاطف مع الشعب العراقي في حقه ومطالبه المشروعة في إقامة نظام ديمقراطي دستوري تعددي يحفظ كل حقوقه السياسية والمدنية والإنسانية خاصة ذلك بأن الكثير من هذه المسيرات رفعت شعار “لا للحرب·· لا للدكتاتورية”·
تلك هي باختصار شديد أبرز مظاهرات مدن العالم الأخيرة التي ينبغي أن نستلهمها جيدا في ظل الصمت المطبق لمعظم المدن العربية مقابل سوريالية ورتابة شعارات وأعلام مظاهرات القلة منها! |