| ظلت العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي من جهة، وجمهورية الصين الشعبية من جهة أخرى لسنوات طويلة من السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي شبه مقطوعة - باستثناء دولة الكويت - وتخضع للهواجس والشكوك المتبادلة، حيث كانت تخيم عليها ظلال وآثار الحرب الباردة حينذاك سواء فيما بين الصين والمعسكر الغربي، أم فيما بين الصين نفسها والاتحاد السوفييتي·
وكانت العلاقات البحرينية - الصينية هي واحدة من علاقات دول المجلس التي تأثرت بتلك الهواجس والشكوك المتبادلة، وبخاصة في ظل الدور الذي كانت تقوم به بكين في دعم الكثير من حركات المعارضة المسلحة في العالم الثالث، ومن ضمنها الحركة المعروفة التي انطلقت من ظفار بعمان، ولكن بفضل ظهور قيادة جديدة في الصين على رأس الحزب الشيوعي تختط منهجا جديدا يتسم بقدر كبير من الواقعية سواء في الاقتصاد أو في اتباع سياسة خارجية تقوم على التعايش السلمي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المنفعة المتبادلة استطاعت الصين أن تكسب المزيد من الصداقات مع دول العالم الثالث، بما يحقق مصلحة شعبها ومصلحة شعوب هذه الدول وتفوت الفرصة على القوى العظمى الغربية التي لا تسعد لتحقيق مثل هذا التقارب، بل كان لها دور كبير سابقا في زرع وتكريس مخاوف وهواجس دول مجلس التعاون من التقارب مع الصين·
وقد شهدت العلاقات البحرينية - الصينية تطورا متسارعا بلغ أوجه خلال الشهور والأيام القليلة الماضية، فبعد اتفاق البلدين على إقامة العلاقات الدبلوماسية فيما بينهما عام 1989 تم توقيع اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري فيما بينهما عام 1990، ثم جرى توقيع اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمار عام 1999، كما وقعت الصين والبحرين عام 1996 اتفاقية للإعفاء الضريبي المتبادل على النقل الجوي، وتبع ذلك توقيع اتفاقية أخرى لتجنب الازدواج الضريبي، كما وقعت اتفاقية مشتركة لخدمات النقل الجوي (وقعها الشيخ علي بن خليفة آل خليفة وزير المواصلات في 24 فبراير 1998)· وقبل شهور قليلة وتحديدا في مايو الماضي 2002 قام رئيس وزراء مملكة البحرين الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة بزيارة رسمية مهمة لجمهورية الصين الشعبية أعطت دفعة جديدة في تطوير وتوثيق هذه العلاقات بين البلدين الصديقين، وأسفرت عن توقيع خمس اتفاقيات مشتركة جديدة في مجالات فائقة الأهمية والمنفعة في تعزيز وتثمير المصالح الحيوية المتبادلة، وهذه الاتفاقيات هي:
1 - اتفاقية التعاون المشترك في مجالات الأيدي العاملة والتدريب المهني·
2 - اتفاقية البرنامج التنفيذي للتعاون الثقافي·
3 - اتفاقية الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب المفروضة على الدخل·
4 - اتفاقية بإقامة مركز للاستثمار والخدمات الاقتصادية في مملكة البحرين·
5 - ثمة اتفاقية خامسة أخرى خاصة بالقطاع الخاص تتعلق بإنشاء مجلس مشترك لرجال الأعمال البحرينيين والصينيين وقعها كل من رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين ونائب رئيس المجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية، كما صدر عن الجانبين الصيني والبحريني في ختام زيارة رئيس الوزراء البحريني للصين بيان مهم ثمن عاليا ما تشهده العلاقة بين البلدين من تطور مقيما أهمية الاتفاقيات الخمس المشار إليها، كما اشتمل البيان على تقارب وتطابق في الرؤى إزاء عدد من قضايا الساعة العربية والدولية المهمة واتسمت هذه الرؤى بالواقعية والعقلانية في تحديد الموقف إزاءها·
وأخيرا تأتي الزيارة الناجحة التي قامت بها أخيرا للصين الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة ملك مملكة البحرين رئيسة المجلس الأعلى للمرأة لتعطي دفعة أخرى قوية من التطور النوعي في العلاقة ما بين البلدين·
تقول: جاءت هذه الزيارة تتويجا رائعا للتطور الكبير الذي قطعته العلاقات بين البلدين على مدى عقد ونيف من الزمن·
ولعل برنامج الزيارة المكثف التي استغرقت نحو أسبوع، وما تضمنه هذا البرنامج من لقاءات عمل ومباحثات مع عدد من كبار المسؤولين في الدولة، والحزب الحاكم في جمهورية الصين الشعبية المعنيين بشؤون المرأة بوجه خاص وبشؤون القطاعات الأخرى الاقتصادية والثقافية والتعليمية بوجه عام·· لعل برنامج الزيارة هذا جاء ليعكس النتائج المرجو تحقيقها من أعمالها·
ومن أهم هذه اللقاءات المفيدة المثمرة:
1 - توقيع مذكرة تفاهم مشتركة بين المجلس الأعلى للمرأة واتحاد المرأة لعموم الصين، وقد وقعتها عن الجانب الأول سمو الشيخة سبيكة رئيسة المجلس الأعلى للمرأة في مملكة البحرين، فيما وقعها عن الجانب الثاني السيدة بينج بي يون رئيسة اتحاد المرأة·
وتتضمن هذه المذكرة بنودا دقيقة واضحة تتيح تعزيز التواصل بين المنظمتين النسويتين البحرينية والصينية المتقدم ذكرهما، وذلك من خلال تبادل الدراسات والبحوث والزيارات الهادفة الى النهوض بأوضاع المرأة في البلدين الصديقين، فضلا عن دعم التعاون فيما بينهما في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المتعلقة بمشاركة المرأة وادماجها في التنمية وذلك من خلال عقد الدورات والندوات المشتركة وكذلك مواصلة التشاور حول آليات تنفيذ بنود مذكرة التفاهم·
2 - الحديث الصحافي المطول الذي أجرته صحيفة >مودرن فاميلي< الصينية مع الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، وقد اتسم هذا الحوار بالموضوعية والشمولية بإعطائها نبذة مفيدة للرأي العام الصيني >مليار ونيف عدد سكان الصين< عن التطور الذي قطعته المرأة البحرينية في نيل حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل المشروع الإصلاحي الجديد الذي يقوده ملك البلاد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وما بلغته من درجة متقدمة من الوعي السياسي والمستوى الثقافي والتعليمي·
3 - اللقاء الذي نظمته جامعة نساء الصين لرئيسة المجلس الأعلى للمرأة البحرينية الشيخة سبيكة، حيث التقت في هذه الجامعة السيدة أووي شو نورو رئيسة الجامعة وعددا من الكادرين الإداري والأكاديمي لهذه الجامعة، واستمعت الى شرح واف عن أهداف ورسالة هذه الجامعة وتخصصاتها العلمية، وقامت سمو الشيخة سبيكة من جانبها بشرح ما يقوم به المجلس الأعلى للمرأة من دور في تنمية ونهوض المرأة·
ولعل منح هذه الجامعة النسوية شهادة الأستاذية الفخرية للشيخة سبيكة يعد بمثابة وسام تقدير وعرفان ليس لهذه الشخصية النسوية القيادية البحرينية فحسب، بل للمرأة البحرينية تقديرا واعترافا لما بلغته من تطور حضاري، والآمال تحدونا بأن تستفيد فتياتنا البحرينيات من هذه الجامعة في إطار اتفاقيات العمل المشترك·
4 - لقاءات رئيسة المجلس الأعلى للمرأة في مملكة البحرين مع عدد من كبار المسؤولين في جمهورية الصين للتشاور وتبادل وجهات النظر حول الخبرات المتبادلة وتلمس سبل تسريع النهوض بالعمل النسوي في البلدين الصديقين، كزيارتها لمركز اتحاد المرأة وجولتها في أقسامه ولقاءاتها بالسيدة وو يي عضو مجلس الدولة المسؤولة عن التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي رئيسة لجنة الأمومة والطفولة بمجلس الدولة الصيني، ولقائها السيد وانج وين يون نائب رئيس المجلس الاستشاري في البرلمان الصيني فضلا عن زيارتها لبعض الأماكن الأثرية كالمدينة الأثرية المحرمة في بكين·
إن هذه النتائج الطيبة المفيدة التي تمخضت عنها زيارة الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة رئيسة المجلس الأعلى للمرأة في مملكة البحرين جاءت ترجمة أمينة وصادقة للآفاق الواعدة التي تتيحها سياسة انتهاج التعايش السلمي بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة وتوطيد العلاقات القائمة فيما بينها على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية في كل منهما وفقا للقوانين والأعراف الدولية وبما يعود بالمنفعة على شعبي البلدين في مختلف المجالات ويسهم في تعزيز أجواء السلم والاستقرار الدوليين·
* كاتب بحريني |