|
أثارت الجريمة البشعة النكراء التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق مجموعة من المدنيين الفلسطينيين الآمنين في منازلهم ليلا أخيرا في غزة، وذلك عبر قيام مقاتلات من طراز “إف 16” بإطلاق صواريخ أمريكية الصنع على عمارة سكنية حولت في ثوان معدودة هؤلاء السكان المدنيين الآمنين إلى أشلاء ممزقة معجونة باللحم والدم وأنقاض الكتل الخرسانية·· أثارت هذه الجريمة غضب واستنكار أوساط واسعة من الرأي العام العالمي علاوة على أوساط وقوى وجهات دولية كثيرة رسمية وشعبية، وإن لم ترق ردود الفعل الدولية هذه المتباينة القوة إلى موقف ضاغط كاف يستطيع العرب استثماره بسبب وضعهم الراهن المفتت المعروف ولامبالاة وتخاذل الكثير من قياداتهم·
وفي مثل هذا الجو من ردود الفعل الدولية المستنكرة لم يجد بوش رئيس أقوى دولة حليفة وداعمة لإسرائيل بلا حدود “الولايات المتحدة” مفرا من الاعتراف بأن هذه العملية تتسم بالبطش ولا تساهم في إحلال السلام· بينما دانت المذبحة بشدة قوى وأوساط دولية مؤثرة منها على سبيل المثال لا الحصر خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، وكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، وماري روبنسون المفوضة العليا “السابقة” لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة·
هذا فضلا عن دول وجهات وقوى رسمية وشعبية كثيرة في أوروبا والعالم الإسلامي، وفي آسيا وإفريقيا وأمريكا، وحتى داخل إسرائيل نفسها حيث كان أبرز ردود الأفعال استقالة نائبة وزير الدفاع داليا رابين - فيلوسوف (ابنة رئيس الوزراء الراحل اسحق رابين) من منصبها·
وتكاد ردود الفعل الدولية هذه أن تكون متقدمة على ردود الفعل العربية ولاسيما الرسمية منها حيث لم يرتق كلا الموقفين الرسمي والشعبي إلى أبعد من إما الإدانة اللفظية العنيفة المتشددة شعبيا، وإما الإدانة اللفظية “المعتدلة” رسميا واجترار الطلب الروتيني لعقد مجلس الأمن والمطالبة بوقف تصدير السلاح الأمريكي إلى إسرائيل·
ومن الواضح جليا ثمة قضية مغيبة تماما من أجندة الساحة والمحافل الدولية مثلما هي مغيّبة مقدما من أجندة العمل العربي المشترك على مستوى أنشطة الجامعة العربية وعلى وجه الخصوص الجهاز المعني بالدفاع المشترك والتعاون العسكري ونعني بهذه القضية تحديدا إمعان جيش الاحتلال الإسرائيلي في استخدام آخر ما توصل إليه العلم من تطور في أسلحة التدمير والإبادة والذبح بحق المدنيين·· ويكاد جيش إسرائيل أن يكون أكثر جيوش العالم في الإمعان في ارتكاب هذه الجرائم على نحو منهجي موصول اعتاده دون رادع منذ عقود، وباستثناء ثلاث حروب عسكرية: حرب 1948 مع العرب التي خاضتها العصابات الصهيونية المسلحة، وحرب 1956، وحرب 1973، فإن الحروب التي خاضها الجيش الإسرائيلي طوال العقود الثلاثة الماضية ومن ضمنها اجتياحه لبنان 1982، كلها في الأساس حروب ضد المدنيين العزل اللهم ظهور - أحيانا - ميليشيات وأفراد محدودي العدة والعتاد يتصدون له·
وفي الاجتياح الأخير لمدن الضفة، استخدمت الدبابات والمصفحات لنسف المنازل والمخيمات على ساكنيها المدنيين العزل ناهيك عن ممارسات لا حصر لها لقوات الاحتلال منافية للقيم الإنسانية·
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أليست هناك معايير وقواعد دولية للشرف العسكري حتى في أثناء القتال والحروب؟!
هل صُنعت الأسلحة المتطورة لضرب المواقع والآلات العسكرية للخصم أم لضرب المدنيين العزل الآمنين وترويعهم؟!
للأسف حتى الآن يكاد المرء لا يعثر على تحرك عسكري عربي حول هذه القضية بالتحديد·
كاتب بحريني |