| من بين كل الشعوب غير العربية التي أثرت بحضاراتها وثقافاتها الشعبية والحديثة في حياة شعوبنا العربية الخليجية يتفرد الشعبان الهندي والإيراني بالنصيب الأوفر سواء في الموروث الشعبي وجوانب من العادات والتقاليد، بل حتى المصاهرة كما هو الحال على وجه الخصوص مع الشعب الإيراني، أوحتى فيما يتعلق بجانب من المؤثرات الفكرية والسياسية والثقافية والتعليمية· ومن المؤسف أن الدراسات العربية الرصينة حول هذين الموضوعين (التأثيران الفارسي والهندي في حياة مجتمعاتنا الخليجية العربية) مازالت شحيحة· ولعل واحدة من هذه الدراسات النادرة المحاضرة القيّمة التي ألقاها أخيراً الدكتور عبد الله المدني في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث بالمحرق والتي جاءت تحت عنوان: “معالم الدور الهندي في الخليج”· وكما هو معروف عن المدني أنه ضليع في الشؤون الهندية ومتخصص فيها، بل هي في قلب اهتماماته بالشؤون الآسيوية· ولذلك فقد جاءت محاضرته غزيرة في معلوماتها المتنوعة الشاملة سواء فيما يتعلق بالجذور التاريخية القديمة للعلاقات الهندية مع بلدان المنطقة وعلى الأخص البحرين، أم فيما يتعلق بالمؤثرات السياسية والثقافية· كما عرض الباحث لمحات أو شذرات من تلك المؤثرات ولا سيما خلال الربع الأول من القرن المنصرم وكيف كانت هذه المؤثرات أو التأثيرات الهندية تعززت وتلابست مع تأثير عامل مشترك خارجي على البلدين متمثلا في الاستعمار البريطاني·
ولم يتردد المدني في هذا السياق في تأكيد قناعاته واستنتاجاته بوجود تأثير سياسي وفكري إيجابيا على الحركة الوطنية البحرينية في بواكير نشأتها خلال الربع الأول من القرن الماضي، بما في ذلك بعض مطالبها الديمقراطية، نقول هذا بصرف النظر عن اتفاق المرء أو اختلافه معه حول حجم هذا التأثير مقارنة، بالطبع، بالتأثير الرئيسي الكبير الذي لعبته بعض الأقطار من خلال نخبتها السياسية والتعليمية والإعلامية، كمصر والعراق وبعض أقطار الشام (سوريا ولبنان خصوصا)· ولم يكن مفاجئا أن تشكل هذه النقطة بالذات مثار جدل في أثناء حواره مع الحـضور بعد انتهاء المحاضرة· كما تطرق المحاضر المدني في سياق عرضه لتأثير اللغة والثقافة الشعبية الهندية في شعوب المنطقة إلى جوانب من بعض العادات والتقاليد سواء ما تعلق منها باللباس أم بالأكلات الشعبية أم فيما يتعلق بدخول العديد من مفردات اللهجات واللغة الهندية في لهجاتنا أم حتى فيما يتعلق بطريقة نطق عدد من مفردات اللغة الإنجليزية·
ولأن د· عبد الله المدني اعترف مقدما أمام الحضور بأنه غير متخصص في التاريخ وأنه ليس بصدد إلقاء بحث تاريخي فقد جاء في مسار محاضرته وفيا لاعتذاره أي أنها غير مقطعة في الغالب بالتسلسل الزمني للفترة التي حددها خلال النصف الأول من القرن الماضي وغير مبوبة تبويبا موضوعيا لكل حقل أو نوع من هذه “المؤثرات”، وهذه الكلمة هي التعبير الأصح في تقديري من “الدور” كما ورد في العنوان، ولذلك كان المدني يتنقل بخفة من مؤثر إلى آخر ذهابا وإيابا دون الالتزام بنوع أو مجال التأثير كما ذكرنا ودون التزام بمرحلة زمنية أو تاريخية محددة حيث ضاع ذكر السنين إلا ما ندر، وطغى أحيانا تناول المؤثرات الثقافية والاقتصادية خارج سياق الإطار الزمني المحدد لها (النصف الأول من القرن الماضي)·
ولأن المحاضر حصر اهتمامه بتناول التأثير الهندي على المنطقة لا التأثير المتبادل ولأنه لم يتلمس أي جوانب سلبية في ذلك الدور أو التأثير الهندي، فقد بدا هذا الدور لمستمعيه كأنه دور مقدس ملهم لا تشوبه شائبة، ومهما يكن فإن المحاضرة جاءت ثرية قيمة، كما أن المحاضر - وبصرف النظر عن مدى ما يؤخد عليه من مغالاة في تعظيم الدور الهندي - فإنه في محاضرته يكشف عن معدن إنسان قومي يرفض التعصب الشوفيني، وهو سمة تطبع الغالبية الساحقة من الباحثين والساسة القوميين العرب على اختلاف انتماءاتهم·
· كاتب بحريني |