| في ضوء التعتيم وندرة الحد الأدنى من المعلومات الأساسية والتحقيقات الصحافية المحلية حول قضية انحرافات العقيد بجهاز أمن الدولة البحريني عادل فليفل، ومثل هذه الندرة غير مستغربة في القضايا المتعلقة بأجهزة المخابرات العربية المحاطة بكل شاردة وواردة منها بهوس الكتمان والسرية المفرطة·· نقول في ضوء هذه الندرة يصعب على المرء أن يكون صورة متكاملة موثقة لسيناريو قضية العقيد الهارب بحيث تتضمن أخطر أوراق ملف القضية (تعذيب المعتقلين) وليس فقط الاحتيال المالي عبر الابتزاز الأمني·
وفي حدود مشاهداتنا الشخصية ثمة ثلاثة أفلام عربية شهيرة لعل سيناريو واحدا منها يصلح للمقاربة مع سيناريو العقيد “الفار”: الأول فيلم “البريء” من بطولة أحمد زكي، والثاني فيلم “زوجة رجل مهم” من إخراج محمد خان وسيناريو رؤوف توفيق وبطولة أحمد زكي أيضا، والثالث فيلم “جعلوني مجرما” من بطولة فريد شوقي هو فيلم قديم، قدم قضية العقيد “الفار” من حيث جذورها وأبعادها وتشابكاتها مع بعض الجهات السياسية العليا ذات النفوذ·
في سيناريو الفيلم الأول يتم تجنيد أحمد في السجن الحربي ويعطى جرعات يومية من غسل المخ وسلخ الروح عبر تلقينه بأن المعتقلين مخربون وهم أعداء الوطن فيشارك في تعذيبهم، ويقتل أحد المعتقلين إثر محاولته الهرب، لكن أحمد يصحو ضميره فجأة إثر اعتقال حسن صديق طفولته دمث الأخلاق فيرفض التصديق بأن حسن مخرب وعدو للوطن فيتمرد ضد قادته العسكريين وعلى مهنته المخابراتية لكن نهاية هذه الحبكة (صحوة الضمير) لا تتطابق مع نهاية سيناريو العقيد “الفار” وإن تطابقت مفاصلها وخيوطها الأساسية معه·
وفي سيناريو الفيلم الثاني نحن أمام فتاة طيبة (يعني على نياتها) تتزوج من هشام العميد في مباحث أمن الدولة والمعروف بتلفيقه مئات الاتهامات في أحداث 19، 18 يناير 1977 التي عصفت بمصر السادات والتي لعب فيها الطلبة دورا مهما، لكنه يستغل طيبة منى للتحري عن زملائها النشطين سياسيا دون أن تعرف مراميه من هذا التحري فتثور على زوجها بعد ما حامت الشكوك من حولها من قبل زملائها الذين أخذوا يقاطعونها فتشعر بالعزلة الخانقة، لكن هو الآخر يدخل في عزلة جديدة بعد أن هوى نجم سطوته المخابراتية إثر إحالته على التقاعد وذلك بعد ثبوت براءة المعتقلين والإفراج عنهم، لكن هذه المرة يمارس سلطته عليها فيحول حياتها الى جحيم مضاعف، ويقرر والدها تخليصها منه باستضافتها في منزله مما حدا بالعميد هشام بقتل والد زوجته ثم ينتحر·
وهذا السيناريو هو الآخر لا تصلح نهايته للمقاربة بنهاية سيناريو القصة الحقيقية لعقيدنا “الفاو”، ناهيك عن أن هذه النهاية ما زالت معالمها النهائية لم تكتمل بعد، وإن كانت الكثير من خيوط ومفاصل حبكة هذا السيناريو تتشابه مع خيوط ومفاصل السيناريو الواقعي لصاحبنا حسبما نشر باقتضاب في الصحافة المحلية والصحافة العربية على الأقل، ناهيك عن كلام الناس المتداول ولا سيما على ألسنة ضحايا العقيد وذويهم·
أما فيما يتعلق بسيناريو الفيلم الثالث “جعلوني مجرما” من بطولة فريد شوقي فإنه لا يتصل بالسياسة إلا من زاوية انعكاسات النظام السياسي القائم على البنية الاجتماعية فنحن هنا أمام شاب انحرف بعد وفاة أبيه إذ تزوج عمه من والدته عرفيا ويستولي على ميراثه ويبدده على لهوه وملذاته فتضيع بوصلة الشاب في الحياة وتتلقفه العصابات تباعا للعمل معها· يقع في حب مطربة كباريه فينافسه عمه عليها ثم يلفق العم لابن أخيه تهمة جريمة قتل فيسجن وتنجح المطربة في إثبات براءته في الوقت الضائع أي حينما يهرب من السجن (لا المطار) فيصبح مجرما بالفعل ومع أن عنوان الفيلم موفق للغاية في الدلالة على الظروف التي صنعت من بطل القصة مجرما سواء قبل دخوله السجن أو بعد هروبه منه إلا أن سيناريو الفيلم لا يصلح لا في البداية ولا في النهاية لمطابقته مع سيناريو صاحبنا، وإن كان عنوان الفيلم بالطبع جديرا بالاستعارة هذا إذا ما أردنا ألا نجعل من بطل السيناريو الحقيقي - “العقيد” - مجرد كبش فداء أو محرقة·
والحال أن هذه الأفلام الثلاثة مجتمعة تصلح لنخرج منها بتوليفة واحدة لسيناريو واحد يقارب الى حد كبير سيناريو العقيد “الهارب” ولا سيما الفيلمين الأول والثاني، أما الفيلم الثالث “جعلوني مجرما” فهذا العنوان يصلح بامتياز لأن يكون عنوانا لقضية العقيد “الفار” من جذورها وعنوانا لقلبها بل وعنوانا لقالبها برمته··!
* كاتب بحريني |