| لئن تكن ثمة دلالات ومغزى للنتائج التي أسفرت عنها استطلاعات الرأي التي أقدمت على تنظيمها صحف عربية كثيرة فلعل أبرز هذه الدلالات هي أنها كشفت على نحو موضوعي ديمقراطي موثق الحقائق والثوابت المبدئية المعروفة عن مواقف الشعوب العربية جمعاء تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي وعلى الأخص قضية الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة، وهذه المواقف كما تبين آراء الغالبية الساحقة - بما يقرب الإجماع - من المبحوثين يؤيدون المقاومة التي تصفها أمريكا وإسرائيل إرهاباً، وأن نسبة عظمى فقدت أي أمل في السلام مع إسرائيل بينما فقدت نسبة كبيرة من المبحوثين أي أمل يرتجى من القمة العربية، كما رفضت أغلبية ساحقة تقترب من أواخر التسعينات في المئة أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل سياسياً كان أم اقتصادياً أم ثقافياً أم اجتماعياً·· إلخ·
وأدانت نسبة تسعينية عظمى مماثلة سياسات أمريكا ومواقفها تجاه القضية الفلسطينية وذلك لدعمها القوي اللامحدود لسياسات إسرائيل العدوانية تجاه الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً ورفضت الغالبية الساحقة أي اتصال مع حكومة الإرهابي شارون كما أيدت هذه النسبة الساحقة نفسها استمرار الانتفاضة الفلسطينية·
ومن المهم هنا التأكيد مرة أخرى أن نتائج الاستطلاعات هذه ليست لصحيفة واحدة بل لصحف عدة في عدد من البلدان العربية وهي مؤشرات واحدة متقاربة تكاد تتطابق في معظم نسبها المئوية اللهم تفاوتات ضئيلة جداً·
ومع ذلك دعونا نطرح التساؤلات التالية عبثاً على ثلاثة أطراف معنية بمؤشرات هذه النتائج هي أمريكا وإسرائيل وغالبية أنظمتنا العربية:
إلى أي حد يعتقدون - أو يتوهمون على الأدق - نسبة الخطأ الواردة في نتائج هذه الاستبيانات؟ هل ترقى نسبة الخطأ إلى درجة قلب مواقف غالبية الجماهير والشعوب العربية التي أفرزتها النتائج رأساً على عقب؟! إذا كانوا يتفقون معنا أن حجم الخطأ لا يرقى إلى درجة تغيير هذه النتائج بنسب تفوق الـ %10، أو حتى الـ %20 أوحتى الـ %30 وهذا أبعد تقدير فماذا تعني إذن دلالات هذه المؤشرات مقارنة بسياسات وممارسات إسرائيل وحليفتها أمريكا ومقارنة بمواقف الدول العربية المتخاذلة في مواجهة تلك السياسات والممارسات الإسرائيلية والأمريكية؟!
أو ليست معظم الدول العربية بل جميعها بلا استثناء تتباهى بأنظمتها الديمقراطية والشورية وأنها تحظى بالشرعية في تمثيل شعوبها وإشراكها في قراراتها المصيرية فأين مواقف وسياسات هذه الدول من تبني ولو الحد الأدنى من مواقف شعوبها·
أو ليست أمريكا تقول: إنها نظام ديمقراطي وتنشد نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في مختلف أرجاء المعمورة فلماذا إذاً تصر على الاستهتار بمواقف وسياسات نحو 350 مليون عربي لكي لا نقول مليار مسلم ومن ثم اعتبار مواقفهم وآرائهم لا قيمة لها بل تمارس ضغوطها على أنظمتهم لكي تقف ضد إرادات شعوبها؟! أهذه هي الديمقراطية؟ ماذا تسمى هذه السياسات والمواقف إن لم تكن تشجيعاً على ترسيخ الأنظمة الدكتاتورية والاستبداد؟ ثم ماذا تعني هذه المؤشرات لإسرائيل، أو ليست تعني أنها بعد مرور نصف قرن ونيف من قيامها في فلسطين على جماجم سكانها الأصليين العرب مازالت منبوذة في محيط جغرافي شاسع؟ ولنسائل المجتمع الدولي: إلى متى ستظل هذه الدولة على هذه الحال كدولة وحيدة في العالم بلا حسن جوار وبلا علاقات طبيعية مع جيرانها؟! ثم لماذا تصر هذه الدولة “الديمقراطية” على تطبيع علاقاتها مع أنظمة عربية ضد إرادات شعوب هذ الأنظمة التي تكرهها؟ ألا تحفظ لكرامة دبلوماسييها ماء وجه في مواجهة هذه الشعوب التي يحلون ضيوفاً عليها؟!
لماذا تقبل إسرائيل لنفسها بدعم من حليفاتها أمريكا أن تكون ضيفاً ثقيلاً على شعوب تكرهها؟!، أو ليس الديمقراطيون المتحضرون هم أصحاب كرامة وعزة نفس؟!
على أن هذه المؤشرات تكشف جانباً آخر خفياً في حياتنا السياسية العربية هو غياب معاهد أو مؤسسات علمية محترفة متقدمة لقياس الرأي العام كمعهد جالوب الأمريكي العريق لاسيما في ظل تغييب وتجاهل أنظمتنا العربية لإجراء الاستفتاءات الشعبية حول القضايا الوطنية والقومية المصيرية، ذلك أن هذه الأنظمة للأسف الشديد فالحة فقط في تنظيم استفتاءات الـ %99 المؤيدة لأقطابها المزمنين في الحكم، وللترويج لسياساتهم الداخلية·
· كاتب بحريني |