| على عكس الاتجاه السائد الآن لدى عدد كبير من الدول العربية والإسلامية تشديد الرقابة على المناهج والأنظمة التعليمية والمدرسين في الكليات والمدارس الدينية، ومن ثم إعادة النظر إذا ما لزم الأمر في هذه المناهج والأنظمة والكادر التدريسي بتنقيتها جميعها من أي شوائب للفكر المتطرف ذي النزعة الإرهابية والاستئصالية، وذلك على إثر أحداث زلزال سبتمبر الماضي الأمريكي، وسواء جاء هذا التشديد مبادرة ذاتية من هذه الدول العربية والإسلامية أم بضغوط أمريكية غير خفية، فإن رئيس تحرير :الشرق الأوسط: الأستاذ عبدالرحمن راشد يبرئ خريجي كليات الشريعة من الغلو والفكر الإرهابي وينحو باللائمة على خريجي المدارس والكليات الأخرى النظرية والعلمية كالهندسة والطب·· إلخ غير الدينية باعتبارها الأكثر جهلاً بالفهم الصحيح لجوهر الإسلام والشريعة·
ومع أن الأستاذ راشد لم يحدد بلداً بعينه تنطبق عليه هذه الفرضية، لكن تبقى هذه الفرضية حتى على وجه التعميم هي في حاجة إلى التمحيص والتدقيق، ذلك أن الكثير من خريجي كليات ومدارس الشريعة ممن يتبنون الفكر المغامر العدمي جاؤوا للأسف من هذه الكليات والمدارس ولاسيما في باكستان ناهيك عن أن بعض أساتذة هذه الكليات تمكن من التغلغل في مراكز صنع القرار لواحدة من أهم وأعرق المؤسسات التعليمية الدينية (الأزهر)· لكن هل إذا ما تمكنت الدول العربية والإسلامية من أحكام رقابتها المشددة على المدارس الدينية، وجاءت بمناهج منقاة من شوائب الغلو والتطرف والإرهاب ومطعمة في الوقت نفسه في تقديم نفسها في هذه المناهج كنماذج للأنظمة الإسلامية الصحيحة المعتدلة، وبطريقة تلقينية دعائية فجة، هل ستستطيع بذلك استئصال الإرهاب من شأفته إلى الأبد ولن تقوم للإرهاب بعدها قائمة؟!
لو أن أغلب الدول العربية والإسلامية التي تنخرط الآن في هذه الحملة المحمومة لتطهير مدارسها الدينية من المناهج والمدرسين الذين يرضعون النشأ التربية الإرهابية بمسوغات دينية فكرت في الأمر ملياً وجدياً لوجدت أن الانفصال الكبير بين القول والفعل في الشعارات التي ترفعها عن الإسلام التي تستمد منها شرعيتها السياسية بديلاً عن الشرعية الدستورية والشعبية، هذا الانفصال هو واحد من أكثر المآزق الذي تضعها فيه بنجاح باهر جماعات التطرف الدينية وتتمكن من خلاله استقطاب جمهرة واسعة من الشباب وتعبئتهم تعبئة حاقدة متطرفة مدمرة ليست ضد دولتهم ومجتمعهم فحسب، بل ضد المجتمع الدولي بأسره بخيره وشره من مؤسسات دول ورموز وشخصيات·· الخ·
وإذا ما أتينا تحديداً إلى المأزق الراهن الذي قادت إليه :طالبان:، و:القاعدة: الدول العربية والإسلامية وشعوبها معاً، ناهيك عن النهاية المأساوية المذلة والفاجعة التي انتهت إليها هاتان الجماعتان الآن، لوجدنا أن العلة الأصلية والتاريخية تكمن بالضبط في هذا الانفصال بين القول والتطبيق في الشعارات الإسلامية التي رفعتها الدول التي أرسلت"المجاهدين" إلى ساحة الجهاد في أفغانستان، فهؤلاء صدقوا بأنهم يمكن أن يدخلوا في تحالف :جهادي: مشترك مع حكوماتهم باسم تلك الشعارات وبدعم منها، ثم اكتشفوا أنهم مخدوعون ومجرد ترس في آلة تنفيذ " أجندة " مصالح استراتيجية لدولة كبرى (الولايات المتحدة) في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي السابق في مقابل فقط حماية هذه الحكومات العربية والإسلامية، فكان أن تخلت عنهم هذه الأخيرة مثلما تخلت عنهم الولايات المتحدة، وذلك بعدما استنفذ كلا الطرفين غرضه منهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة فكان أن تبنى "المجاهدون" العرب هذا النهج التدميري نفسه والانتقامي ضد كلا الطرفين وفي النهج نفسه الذي ساروا عليه بتشجيع منها في أفغانستان منذ أن حطوا رحالهم فيها في أواخر السبعينيات·
|