رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 نوفمبر 2006
العدد 1750

التفكير النقدي
طريق الخلاص
فهد راشد المطيري
fahad@taleea.com

المؤرخ الإغريقي الشهير "هيرودوتس" كتب يقول: "عليّ أن أنقل ما قيل لي، لكن لا أراني ملزما بتصديق كل ما قيل لي" ليس من المستغرب أن تصدر هذه الروح النقدية من كاتب إغريقي ينتمي إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ففي ذلك العصر، عصر سقراط و تلميذه أفلاطون، كانت مخاطبة العقول هي السمة البارزة لتلك النزاعات الفكرية التي لا احتكام فيها إلا للعقل الإنساني وحده. في دفاعه عن نفسه أمام قضاته، يقول سقراط: "إن الحياة التي لا نضعها قيد الاختبار لا تستحق أن نعيشها"، و لم يكن ذلك الاختبار سوى التفكير النقدي. كان للإغريق آلهة بعدد حبات الرمال، و كان لكل إله ميدان يقع ضمن اختصاصه، فهذا إله الحرب، و ذاك إله التجارة، و الآخر إله الزراعة، و هذه التشكيلة الإلهية تشترك في وظيفة واحدة: تقديم تفسير للظواهر الطبيعية و الأحداث التاريخية. مع بداية القرن الخامس قبل الميلاد، برز جيل جديد يبشر بعهد جديد، فهو و إن لم يهاجم معتقدات المجتمع الأثيني من حيث الإيمان بوجود آلهة، إلا أنه قلّص من فكرة الاعتماد على الآلهة لتقديم تفسير لكل شيء، وساهم في إرساء قواعد التفكير المنظم الذي أدى لاحقا إلى وضع أسس علم المنطق على يد أرسطو. لكن ماذا نعني تحديدا بمفهوم "التفكير النقدي"؟ و هل نحن في حاجة إليه؟

التفكير النقدي هو نشاط عقلي يتصف بالتنظيم و تحكمه قوانين مجردة مثل قوانين الاستدلال و الاستنتاج، و الهدف منه هو اختبار صحة أية معلومة يستقيها الفرد من محيطه الخارجي، و في حالة اجتياز هذا الاختبار تنتقل هذه المعلومة لتكوّن جزءا من نظرة الفرد للعالم من حوله.  لهذا السبب بالذات فإن التفكير النقدي هو المسؤول عن تكوين نظرة متناسقة و متماسكة للعالم الخارجي من حولنا. ليس المقصود بطبيعة الحال تطبيق الشك الديكارتي بطريقة حرفية، فهذا المذهب في الشك مستحيل من الناحية العملية و ذلك باعتراف ديكارت نفسه، و هو أيضا مستحيل من الناحية النظرية، ذلك أن الشك في أية معرفة مكتسبة يتضمن وجوداً مسبقاً لمعيار من المعرفة الأولية نستطيع من خلاله تقييم هذا الشك. إنما المقصود هو محاولة إخضاع أكبر قدر من المعلومات المكتسبة لاختبار التفكير النقدي، و على الأخص تلك التي لها علاقة بقرار مصيري أو أثر بالغ على حياة الفرد.

إن تكوين نظرة للعالم من حولنا يعتمد في الأساس على تلقي معلومات أولية عن هذا العالم و تخزينها في الذاكرة، و عملية التلقي هذه اتخذت أشكالا مختلفة حسب مراحل تطور العنصر البشري. في مرحلة أولية، كان الإنسان البدائي يعتمد على حواسه الخمس في جمع المعلومات الأولية حول المحيط الخارجي الذي هو جزء منه، و مع نشوء اللغة في مرحلة لاحقة، أصبح الإنسان قادرا على التعبير عن هذه الصورة الذهنية للعالم الخارجي و نقلها أيضا لبني جنسه. لاحظ أن عملية نقل الصورة من إنسان إلى إنسان تتضمن أيضا فكرة أننا لم نعد نعتمد فقط على حواسنا الخمس في تكوين نظرتنا الخاصة للعالم من حولنا، فاللغة ذاتها أصبحت أداة إضافية لتكوين هذه الصورة.. نشوء اللغة كأداة اتصال، عن طريق التخاطب أولا، ثم عن طريق الكتابة و القراءة لاحقا، ساهم في توسيع مدى نظرة الإنسان لصورة العالم من حوله، لكن الإنسان لم يكن ليكتفي بعطايا الطبيعة و هباتها، فحاول أن يبحث عن طرق أخرى لفهم هذه الطبيعة و تكوين صورة أكثر وضوحا عنها، و كانت أولى الطرق الجادة للوصول إلى هذا الهدف هي معالجة القصور الطبيعي في حواسه الخمس، فأنتج المجهر، و الهاتف، وصولا إلى أحدث المخترعات التقنية في عصرنا الحاضر.  من هنا نستنتج أن هناك علاقة تناسب طردي بين مقدار الأدوات التي نعتمد عليها في تكوين نظرتنا للعالم من حولنا، و بين حجم هذه الصورة ذاتها و مدى اتساعها. لكن ما مدى أهمية التفكير النقدي في تشكيل نظرتنا للعالم المحيط بنا؟

كي نجيب عن هذا السؤال بطريقة مرضية، يكفي فقط أن نتخيل غياب ملكة التفكير النقدي و أثر هذا الغياب على حياة الفرد و نظرته للعالم من حوله. أدق تشبيه كوصف لهذه الحالة سمعته من زميل دراسة حين قال: "العقل المحروم من التفكير النقدي أشبه بجهاز كمبيوتر ليس فيه برنامج مضاد للفيروسات، فهو عندئذ يصبح معرضا لاستقبال كم هائل من المعلومات دون أدنى اختبار لسلامة هذه المعلومات!" إن أقوالنا و أفعالنا و القرارات التي نتخذها في حياتنا تعتمد كلها على الصورة التي في أذهاننا للمحيط الخارجي،  لذا فإن التأكد من سلامة هذه الصورة هي عملية في غاية الأهمية، و ليس هناك سلاح أكثر فعالية من سلاح التفكير النقدي لتحقيق هذا الغرض·

غياب العقل يؤدي إلى سلسلة طويلة من ألوان الاستعباد: أنت عبد للشهوات لأنك لا تملك عقلا يمكنك من السيطرة عليها، و أنت عبد للنظام السياسي لأنك لا تمتلك الأدوات النقدية التي تختبر من خلالها مشروعية هذا النظام، وأنت عبد للنظام الاجتماعي لأنك تفتقر إلى طريقة منطقية لتحليل العادات و التقاليد التي اكتسبتها بالوراثة، وأنت عبد لنظام أيديولوجي لأنك لا تملك الجرأة على وضع هذا النظام تحت مجهر التفكير النقدي، و أنت عبد للاستهلاك و جشع التجار لأنك تفتقد إلى معيار منطقي تحدد من خلاله احتياجاتك الضرورية!

كن أسيرا للعقل، فهو الوحيد إن استعبدك حرّرك!

 fahad@taleea.com

�����
   
�������   ������ �����
معادلة رياضية لقياس الحرية
خطبة جمعة عصرية
الدقائق الأخيرة
عندما يرتفع السافل
في قفص الاتهام
المجتمع المحافظ والنزعة الفردية
أبحري يا سفينة الحمقى!
مفهوم الوطنية في ميزان العقل
الوطنية و حلبة الصراع من أجل السلطة
الديمقراطية واستبداد الأغلبية
إلا الدستور
... وحتى الدستور!
في انتظار جيل جديد
الشارع الكويتي ومثلث التظاهر
النجاح على قدر الصراخ!
وداعا...مبارك
هيبة الشيوخ و ضعف الدستور
التفكير النقدي
طريق الخلاص
المثقف بين الطموح وتسويق الذات
الأفكار الجديدة والتقاليد الموروثة
  Next Page

لن يمس الدستور:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
مليارات الفساد العراقية:
سعاد المعجل
إلا الدستور:
المحامي بسام عبدالرحمن العسعوسي
التفكير النقدي
طريق الخلاص:
فهد راشد المطيري
هذي الكويت:
على محمود خاجه
المصمصة أو الخصخصة:
المهندس محمد فهد الظفيري
معاً من أجل نصر الدستور:
محمد جوهر حيات
البدون يتحدثون:
المحامي نايف بدر العتيبي
المشاركة....
هي الوطنية!!:
د. محمد عبدالله المطوع
system of america:
راشد الرتيبان*
التجربة الحزبية بين الواقع والخيال:
محيي عامر
كان يا مكان:
يوسف الكندري
مجازر المواقف الدولية:
عبدالله عيسى الموسوي
هؤلاء الذين غيروا موازين القوى:
الدكتور محمد سلمان العبودي
حكومة إسماعيل..!:
صلاح مضف المضف