| إن أكثر المفاهيم حضوراً في حياة الإنسان هو الزمان، وقد ازدادت أهميته بشكل مذهل في العصر الحديث، أو في عصر العلم والتقدم التقني المتسارع، فقد جهد العلم في توفير الوقت الذي يستغرقه أي عمل، وهو توفير ينسحب على الذين يقومون بالعمل، فليس الأمر مقصوراً على المدة التي ينجز فيها العمل بل أيضاً على عدد الذين يشاركون في إنجازه·· ولذا أصبح التوفير في الوقت والجهد المبذولين لإنجاز أي مهمة من المهام ضابطا مهما من ضوابط جودة العمل ووفائه بالشروط التنظيمية والإدارية التي تطورت تطورا ملحوظا في هذا الزمن·
لقد وفر العلم وتطبيقاته على الإنسان جهدا كبيرا كان يقضيه في أعمال كثيرة، وإذا أخذنا ربة المنزل على سبيل المثال كيف كانت وكيف أصبحت يمكننا أن نستنتج كيف آلت الأمور الى اختزال الوقت الى نسبة أقل بكثير قد تبلغ العشر أحيانا، فلكم أن تتصوروا معي كيف كانت الأمهات يقضين اليوم في البيت، وكم كانت مهامهن تستغرق وقتا قد يطول الى أن يؤذن النهار بالانقضاء وتختفي شمسه وراء الأفق، بل إنها قد تمتد الى الليل من دون أن تنتهي، فقد كانت الوسائل البدائية تستهلك الجهد الكبير والوقت الطويل، وإذا تصورنا أن جيوش المساعدين من الخدم لم يكونوا موجودين بسبب الأحوال المعيشية في الأيام الخالية، فإن الشقة ستتسع بين الماضي والحاضر في بطء حركة الزمن في الماضي وسرعة إيقاعه في الحاضر·
ويمكننا أن نفهم كيف استطاع العلم في العصر الحديث أن يوفر الوقت في زمن السرعة لكي يقوم الإنسان بالأعباء الملقاة على عاتقه بسرعة كافية تمكنه من إنجاز المتطلبات الكثيرة في فترة قياسية، فسرعة الاتصالات بالطائرة والقطار والباخرة والإنترنت والفاكس والإذاعة والتلفاز يسرت المعارف والمعلومات وجعلتها في متناول من يريدها، وجعلت كم الإنجاز أكثر بكثير مما كان يطمح إليه الإنسان في الماضي، ولا بد أن الإنسان في الماضي كان متوافقاً مع معطيات الزمن في تلك الحقب البعيدة، ولم يكن في عجلة من أمره فكان الزمان على تناسب مع المكان· أما في هذا الزمن في عصر السرعة المذهلة فقد أثر الزمان على المكان، فلم يعد المكان كما كان في أذهان الناس في الماضي، ولم تعد الأرض كما استقرت أيضا باتساعها وتباعد أقطارها، ولا سيما بعد ازدهار وسائل الاتصالات الإلكترونية الحديثة مما جعل الزمان يؤثر على بعد المكان ويكاد يستحوذ عليه·
فالمشكلة تبدو أوضح لدينا حين نجد أن العلم الذي طوره الآخرون قد وفر علينا كل شيء، فكأنه قد آزر الزمان في مدّ سيطرته وتوسيع مداه الى الحد الذي يجعل الإنسان يشعر بالضياع والفراغ الكبير· وقد أضفنا نحن إلى ذلك أننا في الأغلب استقلنا من مهمات كثيرة وأوكلنا أمرها الى الأيدي العاملة التي تقوم بكل شيء تقريبا، فلا يبقى أحيانا على الرجال والنساء إلا محاولة قتل الوقت، فإذا كان بعض المفكرين قد أشاروا إلى أن العلم الحديث قد اختزل الوقت وقام بتوفيره من جانب فإنه قد صنع في المقابل الأدوات التي وظفها لقتل الوقت، فإن هذا التشتت بين ما يوفر الوقت من جهة وما يقتله من جهة أخرى يبدو أوضح لدينا، فنحن الذين لم نشق ولم نتعب في إنجاز العلم ولا تطبيقاته وسعدنا باستهلاكها لم يبق لدينا وقت لنستغله في الإنجاز، بل ليس لدينا وقت للعمل والبناء، فوقتنا كله في الأغلب فراغ في فراغ، ونستغل ما أنجزه العلم وتطبيقاته ليس في الإنجاز بطبيعة الحال ولكن في استهلاك الوقت وذبحه من الوريد الى الوريد، حتى أن المتأمل في الأمر ليتساءل: هل هناك علاقة بين عدم الإسهام في إنجاز العلم وصناعة الوسائل المتطورة التي توفر الوقت وعدم الاستغلال الأمثل للوقت الذي يتجه العالم إلى توفيره كما يوفر المال الثمين؟
إن التوازن بين استغلال الوقت والاستمتاع به يمر في العالم كله بأزمة حقيقية نتيجة فقدان الانسجام بين العناصر المختلفة في الكون، فالرضا والانسجام والقناعة والثوابت التي يصعب هزها في القديم أصبحت في الزمن الحديث موضع تساؤل فكل شيء يتغير وليس من الضروري أن يتغير كل شيء إلى الأفضل، ولا أظن أن هذا التغير في العلاقة بين الزمان والمكان هو دائما باتجاه الأفضل فكم يفقد الإنسان في حياته التي غلبت عليها الآلة، وكم يشقى الإنسان في محاولاته اليائسة في التوفيق بين متطلبات الحياة المعاصرة التي تسهل الأمور من جانب وتعقدها من جوانب أخرى، إن التشتت الذي يحياه إنسان هذا العصر بين توفير الوقت وقتل الوقت قد أفقده الكثير من عناصر التوازن والراحة وهدوء البال، حتى باتت الحياة المطمئنة الوادعة التي تتسم بالترابط والتكافل وإشاعة روح المحبة والسلام قرين الزمن الذي مضى، والذي لا نرى له من عودة· وحتى غدا التسابق على توفير الوقت من جهة ثم قتله من جهة أخرى بلا تخطيط أو رؤية أو هدف ديدن الكثيرين من الناس الذين لم يعرفوا من الحياة إلا البحث عن وسائل الراحة والمتعة التي حين يحصلون عليها يفاجؤون بأن الزمان قد ولى ظهره عنها وأنّها غدت من القديم الذي جاء جديده ليقترح عليهم طرقا مبتكرة للتوفير والقتل· فقيمة العمل من أنبل القيم التي دعا إليها ديننا الحنيف وحثت عليها القيم والمثل العليا، وحياة التكافل الاجتماعي وفضيلة الاجتماع الإنساني من أهم ما يحقق هوية الإنسان وطبيعته وجوهره الأصيل·
* جامعة الإمارات |