| إذا سألنا مواطنا عربيا يضرب أبناءه بوحشية، ويمنعهم من “حقهم في الكلام” في البيت، ويظلم زوجته صباح مساء، عن سبب “الهم والغم” اللذين يسيطران عليه، وعن سر المشاكل الكثيرة التي يتعرض لها، فستكون الإجابة التي قد تصدر عنه هي أن “أعداء بيته” لا يريدون لبيته·· أن يستقر وأن يزدهر!!
الكل لهم أعداء، فهذا أمر طبيعي، فالظـالم له أعداء لأنه يظلم، والمظلوم يصبح لديه أعداء إذا تمسك بحقه، باعتبار أن حقوق المظلومين هي أهداف للظالمين!!
وقد يسترسل صاحبنا الذي لا يمارس العدالة والإنسانية في بيته قائلا “إن أحد هؤلاء الأعداء استغل الوضع فأخذ يؤلب بعض أبنائه ضده”· السؤال الذي نطرحه الآن هو: هل يمكن - أيها الأب العزيز - لأي من أعدائك أن يجعل أبناءك ويجعل القوانين ضدك لو كان “الوضع الداخلي” عندك في البيت وضعا عادلا وسليما وطبيعيا، وفيه مجال جيد لجميع أبنائك بالكلام تأييدا أو··· اعتراضا بناء؟! ثم إن عدوك إن يشأ التدخل ضدك، فلا بد له من “ذريعة”، فهل تفضل أن “تهديها” إياه بتهورك ضد أبنائك وأهل بيتك؟!
المثال المؤلم الذي أوردناه أعلاه يكاد يكون هو القاعدة، وأتمنى أن أكون مخطئا، في جل “بيوتنا” اجتماعيا، وجل أوطاننا سياسيا· هذه حقيقة مؤسفة·
فالرئيس العراقي، مع أنه ليس مثالا استثنائيا على أية حال، مارس ويمارس في “بيته!!” العراق كل الممارسات التي يندى لها جبين الشريف··· دون أن يندى له جبين!!
وعندما “انتهت” مدة صلاحيته، من وجهة نظر أصدقائه في الأمس أعدائه اليوم! “باعتبار أن المصالح تتبدل وتتوالى كتوالي الليل والنهار”!، أخذوا “يتذكرون” جرائمه التي اعتقد أنها كانت مكافأة له على تخصصه في ترديد كلمة “نعم”·· وأخذوا يطالبونه بتنفيذ القوانين المحلية والدولية، وبتنفيذ كل ما يريدون، ومع ذلك·· لم يسلم منهم!! ونظن أن ما نذكره هنا ينبغي أن يكون دليلا كافيا للآباء في بيوتهم، وللسياسيين في أوطانهم، على أن الملجأ الطبيعي والآمن لمحبي الأمان الحقيقي هم أهل البيت أنفسهم فقط، وليس “التيس الغريب”!!
فهل كان أحد منا جميعا يتصور، قبل 2/8/1990، أن الرئيس العراقي الخادم المطيع، ستنتهي مدة صلاحيته مثل علب طعام القطط التي تدون مدة صلاحيتها أسفل العلبة؟
المطلوب عربيا، وبكل صراحة، هو أن تُسمع كلمات الشعوب التي لن تدخر أي جهد في سبيل رفعة شأن أوطانها، وفي طريق تقدم هذه الأوطان، لأن شعوب الدول العربية شريفة·· ومحل ثقة· فإذا انتقد الناس الفساد والخطأ، وهذه هي الضريبة الوحيدة - حكوميا! - التي ينبغي أن تدفع في سبيل الحصول على الديمقراطية، فيجب على الحكومات أن تلجأ الى محاججة الناس لإثبات وجهات نظرها، إذا كانوا يدافعون عن أمور صحيحة حقا، أو اللجوء الى القضاء ليكشف الحقيقة، بدلا من شغل المجتمع، وقواه السياسية الفاعلة، في كل لحظة بقضية “كيفية الحفاظ على الديمقراطية” بدلا من أن تعمل هذه القوى السياسية على الانشغال “بممارسة” حقها في الديمقراطية، وفي الدفاع عن المال العام الذي هو ملك لجميع الشعب، وليس لفئة دون أخرى!!
بهذه الطريقة الديمقراطية الراقية تعيش الشعوب الحرة، وهكذا ينبغي أن تعيش باقي الشعوب·· التي ترى أن لها كرامة· أما الشعوب التي يعد الوضع الديمقراطي لديها مهددا على نحو دائم، فكيف تتمكن، بالله عليكم، من المساهمة في عمليات إعمار وتنمية بلدانها بهدوء وسكينة، مع أن أية تنمية لا يمكن لها أن تحصل في أجواء الكبت الفعلي، أو التلويح الدائم وغير المتحضر به؟!
يقول المثل الكويتي “لا تبوق ولا تخاف”، فالأشخاص الذين يتضايقون من أجواء الحرية والشفافية هم أشخاص يعلمون سلفا بأنهم يضمرون أمورا هي ضد مصالح عموم الناس، ويعاقب عليها القانون، وهذا هو سر الخشية من النور لدى البعض الذين يعلمون أن النور لن يكشف “أمورا طيبة”·· من وجهة نظرهم الشخصية!!
فيجب أن لا ننسى أبدا أن الداخل والخارج في زماننا، أصبحا “قضيتين نسبيتين متداخلتين”، أو قل “إن بينهما “زواجا كاثوليكيا”!!، فأي خطأ داخلي غير عقلاني - حتى لو تم “بموافقات خارجية معينة” - ليس مأمون “العواقب” على من يمارسه، باعتبار أن عملية التذكير بالخطأ لا تتم في يوم وقوع ذلك الخطأ نفسه!! ولأن تبعات ذلك التذكير ثقيلة، ألا نشاهد ما يدور حولنا هذه الأيام؟!
دعونا نأت الى فرضية مختلفة بعض الشيء، وهي إسقاط موضوع الخارج إسقاطا كليا من المعادلة التي نبحثها هنا، فهل الأفضل لمجتمعاتنا العربية أن يتم التعامل معها على أنها “بهائم همها علفها”، أم أن يكون للإنسان - وهو أرقى مخلوقات الله - رأي في كيفية إدارة المجتمع الذي هو عضو فيه؟!
drjr@taleea.com |