| الاحتلال أي احتلال، ينبغي أن يكون شرا، لأن المحتل لا يمكن أن يسعى لمصلحة الطرف الذي تمارس العملية الاحتلالية على أرضه، وضد شعبه، هذه حقيقة·
وقبل أن نبدأ في محاولتنا تحليل المقاومة الصدامية للاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق، نود أن نعلق باقتضاب على مسألة الاحتلال الصدامي، ولا أحب وصفه بالعراقي، لبلدنا العزيز الكويت قبل ثلاثة عشر عاما·
فالصداميون المتوحشون الدمويون جاؤوا الى دولة الكويت ليحتلوها لأسباب اقتصادية ذات ارتباط بالجشع المادي في صورته البدائية، ولم يكونوا قادرين عسكريا على التحرك سنتيمترا واحد أبعد من دولة الكويت، لأنهم كانوا قادة دولة قوية "إقليميا" فقط، هي العراق، ولذلك لم يتعدوا الكويت وقتئذ، مع أنهم قاموا فعليا بمحاولة يائسة رعناء داخل الأراضي السعودية في أثناء حرب تحرير دولة الكويت عام 1991·
فالكويت بالذات كانت مغرية لهم، ضمن دول المحيط العراقي، لأنها صغيرة من ناحية المساحة، ومن حيث عدد السكان، وبسبب الوضع الاقتصادي الممتاز للكويت، وبسبب عدم جاهزية الجيش الكويتي وقتئذ ولصغر حجم الجيش وعنصر المباغتة·
فإذا عدنا الى الوضع العراقي الحالي، نجد أن الولايات المتحدة الدولة الكبرى عالميا، وأجندتها لا تقف عند حد الرغبة في احتلال هذه الدولة أو تلك، بل أمامها "لستة" من "المهمات" التي لن تتوقف عند طرد طالبان أو احتلال العراق بذريعة مطاردة صدام·
فالأمريكيون ليسوا "محتلين أغبياء" كالصداميين، ولكنهم بالتأكيد محتلون فعليون، فحسابات الصداميين في احتلالهم للكويت كانت ذات حد معين ينتهي عند حدود دولة معينة، هي الكويت، ولكن الأمريكيين لا حدود لاحتلالاتهم لا جغرافيا، ولا زمانيا، وذلك لأن الأمريكيين واقعون اليوم تحت تأثير خمر الغرور العسكري، الذي سيفيقون منه يوما بإراداتهم، أو بإرادة الأمم الأخرى·
فإذا كان الاحتلال الأجنبي للعراق أمرا غير مقبول، فهل يدل هذا، بالضرورة، على أن المقاومة الصدامية لذلك الاحتلال ينبغي أن تكون صحيحة وسليمة، فقط بسبب خطأ ذلك الاحتلال الأجنبي للعراق؟
هنا نأتي الى النقطة الحساسة التي كنا، منذ البدء، نريد أن نصل إليها، فتاريخ الصداميين الدموي، ضد شعب العراق الحر، وضد جمهورية إيران الإسلامية، وأخيرا ضد دولة الكويت، يدل على أن هذه العصابة الإجرامية لن تنحاز الى الحق، إلا عندما "تحج البقر سائرة على قرونها"·
فإذا كان ذلك كذلك، فلماذا، إذا، تحاول عصابة صدام الإجرامية إيذاء الأمريكيين الذين يتخذون سياسات هي في صالح الكيان الصهيوني المجرم؟ فما قلناه يدل على أن صدام مجرم، وأن الأمريكيين لهم سياسات معينة تؤيد مجرمين آخرين هم الصهاينة، فكيف يستقيم الأمران معا؟
حل هذه الإشكالية يتمثل في أن الصداميين، مع أنهم كانوا مرضيا عنهم أمريكيا حتى في أثناء سحق انتفاضة الـ 91 أصبحوا "شيئا" غير مقبول أمريكيا حاليا، لأن الأمريكيين الأقوياء حاليا لهم نظرة توسعية كبرى في العالم، تعتمد على نمط استعماري جديد، هو اقتصادي الطابع وعالمي النطاق·
هذا الاستعمار الاقتصادي الجديد يتطلب من الأمريكيين أن يحاولوا أن يقولوا لدول العالم بأنهم "ليسوا محتلين"، حتى وإن تصرفوا تصرفات تدل على التحكم في الدول الأخرى، وإحداها العراق·
أما الصداميون، فلا يقاومون الاحتلال إلا لسبب واحد، هو أن الكعكة "العراقية" الكاملة، التي كانت توزع على شريحة "تكريتية" ضيقة، قد "كَلِتها الأُوطة" كما يقول أحبتنا في القاهرة!!
drjr@taleea.com |