| رُفعت يافطة سوداء كبيرة في مدخل مدينة جوبا في جنوب السودان كُتب عليها بالأحرف البيضاء: "سيبقى قرنق حياً برؤياه وأفكاره ومبادئه"· ولعل ما أراد أن يقوله أصحاب اليافطة هو أن اتفاق السلام الذي وقع بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في نيروبي في ليلة رأس السنة الميلادية للعام 2005 مازال قائما وسيطبق رغم رحيل مهندسه الدكتور جون قرنق· وهذا الاتفاق قد قسم السلطة والثروة بين تلك الحركة والحزب الحاكم في الخرطوم تحديدا، ووضع حدا لاقتتال دام أكثر من عشرين عاما بين الطرفين بدأت فصوله في العام 1983· وهو فصل واحد من عدة فصول للصراع بين الجنوب والشمال ابتدأ من العام 1962 بل ربما منذ عشر سنوات قبل ذلك التاريخ يوم أن تمردت بعض الوحدات العسكرية في الجنوب في أغسطس من العام 1955 ليمتد تأثير ذلك التمرد الى السكان المدنيين في ثلاثة أقاليم جنوبية·
ويبدو أن من كتب تلك اليافطة من المتحمسين والمتفائلين الذين لا يعرفون بواطن الأمور وتعقيدات الوضع السوداني، على وجه الخصوص في جنوبه وشرقه وفي منطقة دارفور في الغرب· وأغلب الظن أن هؤلاء ليس لديهم أدنى علم بما كان يجري في كواليس الحركة الشعبية غداة الاتفاق والمصالحة مع الحكومة في الشمال· أما تلك التعقيدات فيلخصها بوضوح السيد الصادق المهدي في مقالة على صفحات الشرق الأوسط (17/7) حيث يذكر أن أبرز الأحزاب السودانية العريقة هي خارج الاتفاق فضلا عن الحركات المسلحة في شرق وجنوب وغرب السودان التي ما زال سلاحها مشهرا·
في حين أن كواليس الحركة الشعبية لا تشير بالدليل القاطع إلى أن اتفاق المصالحة إنما هو تعبير عن توجه عام وقرار جماعي بحيث لن يتأثر برحيل جون قرنق، بل الأصح أن ذلك الاتفاق هو "اتفاق شخصي بين قرنق والبشير" فقرنق - كما يفصح لول دينج وول، أحد شيوخ مجلس شورى الحركة وأخلص خلصاء قرنق - لجريدة النيويورك تايمز (3/8) "كان هو الذي يتخذ القرارات بمفرده"· وطالما عانى خليفته سالفا كير ماياردت (53 سنة) من نزعات قرنق الاستبدادية واستفراده بالسلطة·
كان قرنق من القلة القليلة في حركته الذين يؤمنون بأهمية وحدة الجنوب مع الشمال، يقول ريتشارد كورنويل الخبير في معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا بجنوب أفريقيا لجريدة الكرستيان ساينس مونيتور (2/8)· "فقد كان على قناعة أن الجنوب من دون الوحدة مع الشمال سيتفكك وستدب الخلافات بين مكوناته، لذا، فوحدته مع الشمال تجعله منشغلا بالتعامل مع هذاالشمال وليس مع خلافاته"· بل أكثر من ذلك، أن قرنق كان يؤمن بالوحدة الأفريقية على أسس جديدة مثلما يُنقل عن الدكتور منصور خالد، أحد مستشاريه (الشرق الأوسط 5/ 8)·
ولا شك أن رأي قرنق في الوحدة مع الشمال حفاظا على وحدة الجنوب رأي حصيف· فإذا كان الشمال السوداني (%75 من السكان) يسوده انسجام قومي وديني، حيث غالبية سكانه من العرب ويدينون بالإسلام، فإن الجنوب يعج بخليط قبلي يتحدث بأكثر من ثلاثين لغة ولهجة فضلا عن انقسام ديني بين المسيحيين (يمثلون %15 من السكان غالبيتهم من الكاثوليك) وآخرين يؤمنون بديانات وثنية متعددة· أما أشهر تلك القبائل فهي الدنكا، وهي أكبرها عددا وينتمي إليها قرنق وخليفته كير، والنوير والشلوك إلى جانب تجمعات قبلية أصغر كالمادي والمورو والأنواك والأشولي والباري·· ومن الواضح أن هؤلاء لا تجمعهم هوية بذاتها، وبالتالي لا يمكن أن ينضووا تحت راية واحدة اللهم إلا راية الجنوب في مقابل الشمال·
ولعل هذا التنوع العرقي واللغوي والديني كان سببا في زعزعة استقرار السودان الحديث الذي أخذ استقلاله عن الحكم البريطاني المصري المشترك في العام 1956· وقد ترافق ذلك مع تباين تاريخي واضح في توزيع الثروة والسلطة والمناصب بين أهل الشمال وأهل الجنوب· فالطبقة السياسية بأحزابها الممتدة الى الثلاثينات من القرن الماضي هي بالأساس شمالية، وبيروقراطية الدولة التي بدأت "بالتسودن" منذ انسحاب الموظفين المصريين في العام 1924 هي من أهل عرب الشمال· والمشاريع الاقتصادية وخدمات الدولة كلها تركزت في المنطقة· إن معدل دخل الفرد بالنسبة للسوداني الجنوبي في أوائل الستينات كان أقل بعشرة أضعاف معدل دخل أخيه الشمالي·
كان انتشار روح التمرد بين أهل الجنوب طلبا للإنصاف والعدل النتيجة الطبيعية لتلك الأوضاع، وكانت مصلحته بروز تشكيلات سرية أخذت تعمل منذ العام 1962، ثم ليكون لها في العام 1964 جناح عسكري موحد تحت اسم "آنيا نيا" أو "السم الزعاف"!! وبعد تضحيات تراوحت بين نصف مليون الى مليون قتيل وتشريد الآلاف، توصلت الحركة مع الرئىس جعفر النميري في فبراير 1972 الى حكم ذاتي· غير أن ما أفسد ذلك الاتفاق هو ظهور النفط بالجنوب في منطقة بانتيو في العام 1978 إضافة الى ركوب النميري موجة تطبيق الشريعة الإسلامية بدعم من جماعة الترابي ومحاولة تطبيقها في منطقة لا يؤمن أهلها بالإسلام أصلا وذلك في العام 1983!!
وهنا برزت زعامة جون قرنق العقيد في الجيش السوداني الذي أرسلته الحكومة ليخمد حركة تمرد من جانب كتيبة من الجنوبيين قوامها 500 جندي، فما كان منه إلا أن انضم الى ذلك التمرد، ليقود جيشا أصبح قوامه في العام 1991 حوالي الخمسين ألفا· وتأرجحت حركته بين الفكر الماركسي وبالتالي الاعتماد على نظام هيلا مريام في أثيوبيا، ثم التحول إلى الأصولية المسيحية وتلقي الدعم من حركاتها في الولايات المتحدة الأمريكية·
ولم تكن الموجة الجديدة من الحرب، التي دامت أكثر من عقدين، بدون خسائر مروعة، إذ قتل مليونا سوداني معظمهم من الجنوب إما بسبب الحرب أو بسبب القحط والمجاعة، ونزح أربعة ملايين آخرون من مواطنهم الأصلية ليتحولوا الى لاجئين!! وفشل مشروع فرض الدولة الدينية بالقوة، وتكونت قناعات واقعية لدى حكومة البشير لتقترب من حل "نصف علماني"!!
خلاصة القول إن موت قرنق خسارة فادحة للداعين الى سودان ديمقراطي تعددي فيدرالي، لكن عزاء هؤلاء في إصرار زوجته ريبيكا وخلفه سالفا كير على مواصلة نهجه الوحدوي·
alyusefi@taleea.com |