| كتب الزميل “حميد المالكي” في جريدة “الطليعة” مقالا حول فصل الدين عن الدولة في المسألة العراقية، ووصف التيار الداعي الى فصل الدين عن الدولة والدعوة الى العلمانية بأنه تيار ليس بجديد بل كان حاضرا لكنه يتبلور بهدوء وحذر، وأن قيام العراق الجديد على أسس ثابتة ورصينة ومن بينها مبدأ فصل الدين عن الدولة كمعطى تاريخي يضع العراق كدولة والشعب العراقي على طريق التقدم والتطور والازدهار ويجنبه أشد الأخطار والتمزق والصراع·
رؤية الزميل “المالكي” يقاسمه فيها الكثير سواء من داخل العراق أو خارجه، بل قد لا نبالغ إطلاقا إذا ما اعتبرنا بأن استعداد العراق للتحول الى الدولة النموذج من حيث فصل الدين عن الدولة قد كان ولا يزال الخصلة الفاصلة التي ميزت العراق عن أقرانه من الدول العربية بشكل خاص، ومنحته الفرصة لأن يلعب دورا إقليميا بارزا، ولكن لماذا العراق؟
في كتابه “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” للدكتور علي الوردي قصة طريفة ومعبرة أوردها الكاتب كما جاءت على لسان “ويليم ويلكوكس” المهندس الذي أشرف على بناء “سد الهندية” في العراق، تقول القصة: إنه في شهر أيار عام 1909، حين كان فيضان الفرات بالغا أقصى حدوده، كان “ويلكوكس” يتجول على الضفة اليسرى متجها نحو الشمال بين الرمادى وهيت، فرأى أكثر من خمسين قطيعا من الغنم تسير في الوادي خارجة من المنطقة الصحراوية، وكان ظهور هذه القطعان سببا في إلقاء الرعب والفزع في نفوس الزراع، وعند رجوع ويلكوكس في اليوم التالي سالكا طريق النهر بسفينة، سمع صوت رصاصتين، وشاهد من بعيد عددا من الفرسان المشاة يهرعون الى محل الحادث، بعضهم يحمل المساحي والبعض الآخر يحمل البنادق، وكانوا على استعداد لمقاومة أولئك الرعاة البدو أو لدفع خطر الفيضان، ولما اجتمع “ويلكوكس” بأحد أكابر الشيوخ، قال له: لماذا لا تقتسمون الأراضي بينكم فتغمرون قسما منها بالمياه، وتتركون القسم الباقي لزراعة الحنطة والشعير؟ أجابه الشيخ: إننا لا نستطيع أن نتفق فيما بيننا، ولكننا نتمنى أن تحل في البلاد بعض الأنظمة والقوانين محل هذه الضغائن المستمرة بيننا، وأضاف الشيخ كذلك قائلا: “إذا سنت في البلاد قوانين عملية فإن الزراع، وهم الأكثرية الساحقة في هذه البلاد سيصرون على احترامها”·
ويضيف الكاتب “علي الوردي” في خاتمة كتابه إن الشعب العراقي مضطر لأن يتطور عاجلا أم آجلا، وأن التجارب القاسية التي مر بها علمته دروسا بليغة، فإذا هو لم يتعظ بها أصيب بتجارب أقسى منها، وربما حل به من الكوارث والويلات ما يجبره على تغيير إطاره الفكري رغم أنفه··
إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية، وينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار·
لقد أثبت التاريخ إدراك المجتمع العراقي لذلك التلون الطائفي والعرقي الذي يميزه والذي جعله حريصا أشد الحرص على عدم استثارة تلك الاختلافات سياسيا وإلا أشعلت نيرانا قد يكون من الصعب إطفاؤها، وقد انعكس ذلك الحرص أو الخوف من إشعال تلك النيران في أحاديث الكثير من أهل السياسة في العراق، كان آخرها دعوة المرجع “السيستاني” ورفضه لتدخل رجال الدين في السياسة، فعلى الرغم من التوزيع الطائفي والعرقي المعقد في العراق إلا أنه لم يحدث أن أثار ذلك التوزيع حروبا أو معارك، بل إن بعض القبائل في العراق تعتنق المذهبين في آن واحد حيث يعتنق بعض فروعها مذهب التسنن بينما يعتنق الآخر مذهب التشيع، وأبرز مثال هنا منطقة “ديالى” التي يبلغ الاختلاط الطائفي فيها أقصاه ويسود التعايش السلمي بين الطائفتين·
العراق الآن بحاجة وكما قال الشيخ في قصة المهندس “ويلكوكس” الى قوانين وتنظيم سياسي يرشد المجتمع بطوائفه وأعراقه الى بناء صلب ومتماسك، تكون فيه السياسة لأهل الدولة، والدين لأهل المسجد·
suad.m@taleea.com |